تتمة : اعلم أن الإنسان من أشرف الموجودات ومجمع عالم الغيب والشهادة وروحانيته على مثال عالم الشهادة ، ولم يخلق اللّه شيئا في الدنيا والآخرة إلا وخلق اللّه فيه صفة تناسب ذلك الشئ ، فجمي . ع صفات العالم مودعة فيه ، ولذا سمى بالعالم الأصغر ، ولذلك أن السيار إذا عبر على الصفات الحيوانية فأي صفة يعبر عنها في البهيمية يرى حيوان تلك الصفة غالبا ، فيرى في صفة الفأر والنمل ، فإن كان حرصه كثيرا رأى الفأر وإن كان قليلا رأى النمل ، فإن رأى الفأر والنمل افترس به أو عضه دل على قوة تلك الصفة فيه ، وإن رآهما ماتا أو قطعا دل على موت تلك الصفة ، ويرى سنة الشر مثلا على صورة الدب والخترير لأن كلا منهما شجيته الشر ، لكن الأولى أشد ضررا على الأعمال الظاهرة ، والثاني أشد ضررا على الأعمال الباطنة ، فإن رآهما قويين دل على قوة تلك الصفة فيه ، وإن رأى أحدهما قويّا والآخر ضعيفا دل على ضعف تلك الصفة تارة وقوتها أخرى ، وإن رآهما ضعيفين دل على ضعفهما فإن رآهما ميتين منقطعين دل على موتهما أو انفصالها عنه ، وإن رآهما آذياه وضراه دل على ضرر في دينه يرى صفة البخل على صورة الكلب والقرد ، والأول أشد في الأمور المعنوية ، والثاني أشد في الأمور الحسية ، فتارة يراهما السالك قويين أو ضعيفين ، أو أحدهما قوى والآخر ضعيف ، على وزن ما تقدم في النمل والفأر ، وإن رآهما قويين لكن لم يفترساه ولا أحدهما دل على تحريك تلك الصفة لكن لم يضره ذلك لتفكره وتبصره ، ويرى الكبر المذموم على من شأنه ذلك فإن رآه ضعيفا دل على ضعفها ، أو قويا دل على أنه قوى ، فإن رآه قاتله دل على منازعة تلك الصفة الخبيثة لصفة التواضع ، وإن غلبه وقتله دل على خروجه منها بالمجاهدة لكن إن كان القتل بسيف فهو بالذكر ، وإن رآه فانيا ميتا فتلك الصفة فنيت عنه ويرى الحق المذموم على صورة الحية ، وهو
تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين — صفحة 180
مساهمون: محمد بن حسن السمنودي الأزهري ( المنير )
ص١٨٠