ومن أوصافه أن جميع شؤونه في الحالة الوسطى وهي بين الإفراط والتفريط ، وهذه الحالة لا يقدر عليها إلا من كان في هذا المقام .
واعلم أنك في أول هذا المقام تلوح لك بشائر الخلافة الكبرى ، وفي آخره تخلع عليك خلعتها وفي خلعه « كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشى بها ، فبى يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشى » وهذه نتيجة قرب النوافل ، وهو أن يكون التأثير للعبد باستعانة الحق بمعنى قد اتصف بصفات التأثير من فيض الملك القدير ، فافهم .
وتحقق هذا المقام أن السالك إذا وصل إلى مقام الفناء ، وهو المقام المذكور قبل هذا ، تمحق صفاته الذميمة البشرية التي هي محل الانفعال والشقاوة والدعو وذلك هي سبب قربه بالنوافل التي هي الرياضات والمجاهدات للنفس ، وقد جرت عادة اللّه أن يهبه كرما منه صفات مناقضة لتلك الصفات مؤثرة بإذن واهبها ، وهذا هو حق اليقين الآتي في الخاتمة ، والحق أن هذه الأمور لا تدركها العقول ، ومتى حاول إدراكها العقل وقع في الزندقة لأن الفناء ليس في الخارج له نظير حتى يمثل له ، وكذا البقاء باللّه ، وكذا قرب النوافل وقرب الفرائض ، واشتغل وأنت في هذا المقام بتلاوة الاسم السادس وهو : « قيوم قيوم قيوم » فأكثر منه تصير حسنات الأبرار سيئات لك ، ولا تزال متأدبا بآداب الشريعة والطريقة إلى أن تنتقل إلى المقام السابع طالبا التحقيق بالسورة الآدمية التي كانت قبل الملائكة التي حقيقتها الحقيقة المحمدية .
المقام السابع : التي تسمى فيه النفس بالكاملة ، فسيرها باللّه ، وعالمها كثرة في وحدة وحدة في كثرة ، ومحلها الإخفاء الذي نسبته إلى الخفاء كنسبة الروح إلى الجسد ، وورادها جميع ما ذكر من الأوصاف الحميدة الحسنى للنفوس المتقدمة ،
تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين — صفحة 178
مساهمون: محمد بن حسن السمنودي الأزهري ( المنير )
ص١٧٨