المشرفين على البقاء الذين هم في آخر السلوك ، والمراد به محو الصفات البشرية والنهى للبقاء من غير أن يعقبه البقاء في الحال ، لأن ذلك الفناء هو حق اليقين وهو بعد الفناء ، وهذه النفس - أعنى الراضية - لها وارد ، لأن الوارد لا يكون إلا مع بقاء الأوصاف ، وقد زالت في هذا المقام حتى لم يبق لها أثر ولذلك كان السالك في هذا المقام فانيا لا باقيا بنفسه كما كان قبل هذا المقام ، ولا باقيا باللّه كما يكون في المقام السابع ، وهذه الحالة لا تدرك إلا ذوقا ، وقد يمكن الكامل أن يفهمها للمريد المتهيئ للكمال .
وصفات هذه النفس : الزهد فيما سوى اللّه ، والإخلاص والورع والنسيان والرضا بكل ما يقع في الوجود من غير اختلاج قلب ولا توجه لدفع مكروه ، ولا اعتراض أصلا وذلك لأنه مستغرق في شهود الجمال المطلق ولا تحجبه هذه الحالة عن الإرشاد والنصيحة للخلق ، وأمرهم ونهيهم ولا يسمع أحد كلامه إلا وينتفع به كل ذلك وقلبه مشغول بعالم اللاهوت وسر السر ، وصاحب هذا المقام غريق في بحر الأدب مع اللّه لا ترد دعوته ، والحق أن صاحب هذا المقام ليس له ركون إلى ما سوى اللّه فمتى رأيت نفسك تركن لغيره فاعلم أنك لست من أصحاب هذا المقام ، لأن صاحبه أشرف على سلطنة الباطن التي جميع الظواهر تحت قهرها ، واشتغل وأنت في هذا المقام بالاسم الخاص وهو : « حي حي حي » فأكثر منه فيزول فناؤك ، ويحصل لك البقاء بالحي فتدخل في المقام السادس وتترقى من الوقوف على الباب إلى منازل الأحباب ونعت بالحي واتصفت بالصفات الكاملة وهو معنى : « كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به » المعبر عنه بقرب النوافل .
تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين — صفحة 176
مساهمون: محمد بن حسن السمنودي الأزهري ( المنير )
ص١٧٦