لانقطاعك عن خدمتك ، ولذلك ترى المحفوظين من الكمل إذا أظهر اللّه على أيديهم شيئا من الكرامات لا يلتفتون إليها ولا يعلمون ، أظهرت لهم كرامة أم لا ، فتركوا ذلك وقالوا :
كل شى ما خلا اللّه باطل * وكل نعيم لا محالة زائل
وإذا كانت الكرامات ليست شيئا قبيحا لأنها إكرام من اللّه لعباده ، ولكن تطلبها والميل إليها قبيح قاطع عن حضرات القرب التي لا تنال إلا بالعبودية المودع فيها أسرار الربوبية ، ومتى أحب ذلك خرج من العبودية وصار يتظاهر بها على غيره .
واعلم أن السالك في هذا المقام يحب الأوراد ويميل إليها ، وكذا الأدعية ، ويحب حضرة النبي صلّى اللّه عليه وسلم محبة غير المحبة التي كانت قبل هذا المقام ، ولا تأمن من النفس في هذا المقام ولا غيره ، لأن العدو الذي غرست في طبعه العداوة لا يؤمن وإن صار صديقا ، ولأن الإنسان متعرض للمحن والبلايا ، وقد يعرض له حب المال هنا فلا يضره ، بشرط أن يكون قصده به الاستعانة على اللّه وعلى أن يعين به الأخوان وأن لا يشتغل قلبه بتحصيله ، وإن حصل شيئا منه فلا يخفيه عن الناس إظهارا لنعم اللّه عليه ، وتحدثا بنعمته ، ويظهر لهم الفقر من نفسه والتبري من الحول والقوة ، وقد يعرض عليه في هذا المقام حب الرياسة وتدخل عليه نفسه بأن يتعرض للمشيخة والإرشاد واجتماع الناس عليه ليحصل على يده الاهتداء فلا يلتفت إلى ذلك ، فإنها دسيسة من النفس ، فليحذر ويدفن وجهه في الخمول ، وأما إذا أقامه اللّه وأشهره وألبسه ثوب المشيخة من غير سعى منه ولا جد ولا تطلب ، ومع ذلك يحب الخمول فلا بأس بظهوره ، فإنه خير له من الاعتزال ، وعلامة إقامة اللّه له أن يكون محبوبا لإخوانه وهم مطيعون له ، ولا يرى لنفسه عليهم تمييزا