ظنك أنك أعلم من شيخك فتحرم المدد منه ، واجزم بأن خلاصك على يديه وتحمل ما تلقاه منه من الأذى ، وإياك أن تنكر عليه حالة من حالاته .
وبالجملة فإن هذا المقام الثالث مقام تذل فيه الأقدام جامع للخير والشر ، فإن غلب خيرها على شرها ترقت إلى المقامات العلية ، وإن غلب شرها على خيرها نزلت إلى سجين الطبيعة وأرض القطيعة وأسفل السافلين ، فيجب عليك حينئذ إتعاب النفس وتحقيرها ، وعلامات غلبة الخير على الشر أنك ترى باطنك معمورا بالحقيقة الإيمانية بأن تعتقد أن ما في الوجود جار على وفق إرادة اللّه ، مقدرا بقدرته تعالى ، ويكون ظاهرك متلبسا بالطاعات مجتنبا جميع الكبائر والصغائر ، كثير الاجتهاد ، وعلامة غلبة الشر على الخير أن تترك الطاعات ، ولا يكون ظاهرك معمورا بالشريعة ، وفيه ضد ما تقدم .
ثم اعلم أن رضاء اللّه وتجلياته لا تصل للعبد إلا من باب الطاعات ، وأن سخطه وطرده وبعده لا يصل للعبد إلا من باب المعصية ، ولقد أخفى غضبه في معاصيه ورضاه في طاعته ، فقف على باب الشريعة وآدابها وقفة الذليل ، واسأل مولاك واستعن على مطالبك بتلاوة الاسم الثالث ، وهو هو تظهر إن شاء اللّه على الهوية السارية في جميع الموجودات ، لا بشرط شئ ولا بشرط لا شئ ، وليكون أولا بياء النداء ثم بدونها ، وتكثر من تلاوته في جميع الأوقات في القيام والقعود والاضطجاع آناء الليل وأطراف النهار لتخلص ببركته من خطر هذا المقام ، وبه ينقطع ما بقي من التعلقات بالنفس إلى المقام الأول والثاني لأنها لا تخلو من الالتفات إليهما ، لأن الطبع يغلب الطبع ، وهي تترقب غفلتك ، فمتى غفلت عن سوقها وزجرها عادت لإلفها وشوقها في هذا المقام بالعشق والهيمان والشوق إلى
تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين — صفحة 171
مساهمون: محمد بن حسن السمنودي الأزهري ( المنير )
ص١٧١