لا يفرق بين الجلال والكمال ، ولا بين ما ألقاه الملك ولا ما ألقاه الشيطان ، لأنه لم يخلص من الطبيعة بالكلية ، ولم يسلب عنه جميع مقتضيات البشرية ويخشى إن غفل عن نفسه أن تهوى إلى سجين وأسفل سافلين ، أعنى المقام الأول الذي تسمى فيه النفس بالأمارة فرجع إلى ما كان عليه من الأكل الكثير والشرب الكثير والنوم الكثير والاختلاط مع الخلق ، وربما يفسد اعتقاده ويترك الطاعات ويرتكب المعاصي ويزعم أنه موحد مكاشف بحقائق الأشياء وأنه من المحققين ، وأن غيره من أهل الطاعة محجوب من هذا الشهود ، فإذا فسد اعتقاده هلك مع الهالكين ، والتحق بالكفرة المشركين ، وضاع تعبه وعناه وما بلغ مناه ، فظن أن التخيلات الشيطانية تجليات رحمانية ، فالواجب عليك أيها الأخ متابعة الشيخ ، وإن سولت لك نفسك أنك أعلى منه وأنك موحد ، وهو محجوب ، ويجب عليك أيضا اتباع الشرع وملازمة الأدب ، وتكره نفسك على ملازمة الأوراد وتقيدها بقيود الطريق لأنها في هذا المقام مائلة إلى الإطلاق وخلع العذا وعدم المبالاة .
والمقصود مخالفتها إلى أن تطمئن ، وذلك بالوصول إلى المقام الرابع ، ففيه سعادة الدارين وقرة العين ، ومتى وضع السالك قدمه فيه خلص بعون اللّه من جميع الآفات النفسانية ، لأنه ترقى إلى أول درجات الكمال ، وهبت عليه نسمات القرب والوصال ، وانتقل من التلوين إلى التمكين فلا يحتاج إلى المسلك إلا القليل من السالكين ، فانهض واترك رعونات النفس ولا تغتر بما لاح لك من التوحيد فإنه سبب لرجوعك وانقطاعك عن مطالبك العلية مستعينا به على تمزق ما بقي من الحجب النورانية واطلب الحضرة الأحدية ، وتعلق بأذيال شيخك ، ودم على ما كنت تفعله من تقليل الطعام والمنام وتقليل الاجتماع بالناس ، ولا يغلب على
تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين — صفحة 170
مساهمون: محمد بن حسن السمنودي الأزهري ( المنير )
ص١٧٠