تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
اعلم أنك في هذا المقام كثير الخواطر . كثير الوساويس ، ولهذا الاسم نار تحرق به ذلك فكن مكثرا منه ولا تبال بالخواطر ، فلا يمكنك الخلاص منها بالسرعة لأن مرآة قلبك متوجهة للخلق ، ولا شك أن المرآة إذا توجهت إلى شئ انتقش ذلك الشئ فيها ، فإن كنت متعشقا إلى زلال الوصال فاترك الخلق وجميع اللذات ولازم المجاهدة تنتج المشاهدة ، فإذا أردت المقامات العلية فاترك الخلق بالكلية وانس جميع أهلك وصحبك واشتغل بربك وهو الفتاح العليم ، وهذا المقام أول مقام المقربين . المقام الثالث : النفس الملهمة ، فسيرها إلى اللّه بمعنى أن السالك لا يقع نظره في هذا المقام إلا على اللّه لظهور الحقيقة الإيمانية على باطنه ، وفنى ما سوى اللّه في شهوده ، وعالمها عالم الأرواح ومحلها الروح وحالها العشق ، وواردها المعرفة وصفاتها السخاء والقناعة والعلم والتواضع والصبر والحلم وتحمل الأذى والعفو عن الناس وحملهم على الصلاح وقبول عذرهم ، وشهود أن اللّه آخذ بناصية كل دابة ، فلم يبق له اعتراض على مخلوق أصلا ، ومن صفاتها : الشوق والهيمان والبكاء والقلق والإعراض عن الخلق ، والاشتغال بالحق ، والتلوين وتعاقب القبض والبسط وعدم الخوف والرجاء وحب الأصوات الحسنة ، وزيادة الهيمان عند سماعها ، وحب الذكر وبشاشة الوجه والفرح باللّه والتكلم بالعلم والمعارف والمشاهد ، وسميت ملهمة بأن اللّه تعالى ألهمها إما فجورها أو تقواها ، لقوله تعالى :
فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ( 8 ) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها
« 1 » أي طهرها بالمجاهدة بإلهام ما تتقى اللّه به . واعلم أنه لا يكون الخلوص من هذا المقام إلا بأنفاس المسلك ليخرجه من ظلمات الشبهات إلى نور التجليات ، لأنه وهو في هذا المقام ضعيف الحال
هامش
( 1 ) سورة الشمس : آيتا 8 ، 9 .