تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
وهذا مقام ثان بالنسبة إلى سلوك المقربين الطالبين الفناء عن نفوسهم والبقاء بربهم ، الذين أمروا بالموت قبل انقضاء آجالهم فقال لهم : موتوا قبل أن تموتوا . وأما بالنسبة إلى الأبرار أهل اليمين فهو آخر منازلهم ، وأعلى مقاماتهم ، ولذلك قالوا : حسنات الأبرار سيئات المقربين ، لأن المقربين لا يقفون عند هذا المقام الثاني بل يطلبون غيره إلى أن يصلوا سابع مقام ، فيكون لهم بعد ذلك خمس مقامات ، وإنما لم تقف المقربون في المقام الثاني لما فيه من الخطر العظيم ، لأن أعلا درجات هذا المقام الإخلاص ، والمخلصون على خطر عظيم ، ولا يكون الخلاص من هذا الخطر إلا بالفناء عن شهود الإخلاص بشهودهم إذا المحرك والمسكن هو اللّه تعالى ، شهود ذوق ، وهذا الشهود متوقف على سلوك طريق المقربين ، وإن الأبرار لا تصل إليه ولا تشم لا رائحة ، لأنهم نظروا أنهم أوجدوا أعمالهم فطولبوا بالإخلاص ، ولم يشهدوا أن اللّه تعالى خالق الأفعال كلها فوقفوا بالعناء والتعب ، وصار أحدهم لو دخل في جحر ضب لقيض اللّه له من يؤذيه ، وذلك لما فيه من الشهرة المقتضية للعجب والكبر وسوء الخلق ، ونحو ذلك ، وهذه الأشياء مقتضية للتعب والعناء وضيق الصدر ، وضرب بعضهم مثالا يوضح الفرق بين الأبرار والمقربين ، وبين تعب هؤلاء وراحة هؤلاء فقال : مثال ذلك كشجرة عظيمة خبيثة كثيرة الأغصان كل غصن منها يثمر نوعا من السم القاتل ، فجاء أناس فاشتغلوا بقطع تلك الأغصان ولم يلتفتوا لقطع تلك الشجرة من أصلها ، ولا لقطع الماء عنها لتيبس ، وأرادوا التخلص منها ، فلا يمكنهم الخلاص ، لأنهم كلما قطعوا غصنا نبت غيره لبقاء الشجرة ، ودوام سقيها ، فجاء آخرون فقطعوا الماء عنها فضعفت ولم تثمر فتخلصوا منها وأراحوا نفوسهم من تعب هؤلاء ، فالشجرة مثل بطن الإنسان ، والمأكل مثل الماء ، والأغصان مثل الصفات الذميمة كالكبر والحسد ، والثمرة مثال لما يحصل من هذه الصفات من الآثار في الخارج ، فالأبرار لما علموا