تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تحفة السالكين ودلائل السائرين لمنهج المقربين — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
القلوب إليه ، ولكن إن أمره الشيخ أن يجانب أحدا من أصدقائه أو غيرهم وجب اجتنابه ، ولا يغتر هو بإظهار شيخه محبة ذلك الطريق ، لأن من شأن الشيخ الإقبال على كل الناس حتى لا يصير له عدو قط إلا من المجرمين الجهال ، لسعة ما هو عليه من الأخلاق المحمدية ، وإذا أقامه الشيخ في خدمة الفقراء ، سفرا أو حضرا ، دون أن يجلس مجالس الذكر والعلم لا يتكدر من ذلك ، فإن الشيخ إنما يستعمله فيما يراه خيرا له من سائر الوجوه كلها ، ومتى تكدر المريد من تلك الإقامة أو رأى أن اشتغاله بغير ذلك أفضل فقد نقض عهد شيخه ، فإن الشيخ أمين من جهة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على أمته ، بأن يفعل بهم ما يرى فيهم أنه يقدمهم وينهاهم عن ما يؤخرهم في المقامات ، فقد يكون ما يطلبه المريدون يورث عجبا ورياء وشهرة ، ومدحا بين الناس فيحشر مع الخاسرين ، وروى عن بعضهم أن شيخه أمره بخدمة البغل في الإصطبل حتى دنت وفاة الشيخ ، فتطاول أكابر أصحابه للإذن لهم بالخلافة بعده ، فقال الشيخ : ائتوني بفلان ، فأتوه به من الإصطبل ، ففرش له سجادة فقال له : تكلم مع إخوانك في الطريق ، فأبدى لهم العجائب والغرائب نظما ونثرا وسجعا ، حتى انبهرت عقول الحاضرين ، فرجعوا الذين كانوا يتطاولون للإذن وتعجبوا من ذلك ، وكان هو الخليفة بعد الشيخ ، فتعلم أن الأمور التي يقع فيها النفع راجعة إلى الشيخ لا إلى المريد . ومن آدابه أن يكون فطنا لما يأمره به الشيخ أو ينهاه ، لا سيما بحضرة من ليس من القوم ، بل يفهم بالإشارة والرمز بأن لا يقنع بمجرد اعتقاده في أستاذه ويتساهل فيما يأمره به أو ينهاه عنه ، ويقول : نظر سيدي يكفى ، فإن ذلك جهل في الطريق ، وقد قال بعض الصحابة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أسألك مرافقتك في الجنة ، فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « أعنى على نفسك بكثرة السجود » فلم يجبه صلّى اللّه عليه وسلم إلا بالعمل لا بالاتكال