وانصرف ، وأعرض بقلبه عن الجواب لئلا يصير لشيخه محكوما بإلزام الجواب له ، وهذه طريق تخالف طريق الفقراء ، لأن طريق الفقراء مواجيد يجدونها ، فإذا قال مريد : أنا ما فهمت هذا الكلام ، يقول له الأستاذ : أحسن مرآة قلبك تفهم ، ومنه قول الإمام :
شكوت إلى وكيع سوء حفظي
انتهى . فعمل على طلب الجلا لا غير ، وطريق الفقهاء أقوال ينقلونها فقط ، ومن قال من المريدين لشيخه : « لم » على طريق الاستفهام لم يفلح قط في طريقهم ، ومن قال من الفقهاء لشيخه : لم كان الأمر كذا ؟ فلج ، فلكل طريق طالب يناسبها .
ويلازم مطالعة تأليف شيخه ويقدمها على غيرها من الكتب ، ولا يعدل عنها إلا لضرورة طلب ما هو أبسط منه أو كتاب أحال هو في تأليفه ، ولكن لا بد من استئذانه والوقوف عند أمره ، ولا يطلب علما على أحد وشيخه يعرف ذلك العلم ، فإن لم يعرف ، أو كان غير متصدر للتعليم شاوره : على من يقرأ عليه ، فإن أشار عليه لأحد لزمه على أي حالة كانت ، وإن قال له : اقرأ على من شئت فيختار لنفسه العالم العامل الصالح المنكسر الحليم المتواضع المعتقد في طريق القوم ، ويكون طلب علمه بعد سلوكه في الطريق لا قبل ، فإنك إذا وضعت العسل في قشر الحنظل تمرر بمرارته والتبس على الجاهل أن العسل من أصله مر ، وكان السلف الصالح إذا قدم لهم إنسان بدوه الطريق ، وتعلّم أخلاق الفقراء ، ثم يتعلم العلم .
ومنها : إن سأله شيخه عن مسألة فلم يرد عليه جوابا فلا يعيد عليه السؤال في ذلك الوقت بل يسكت به إلى وقت آخر ويرغب في الاجتماع عليه ويؤلف