من اللحوق بالعدم للوجود « 1 » الحق تعالى فهو حقيقة العبودية ، فمن تناهت فيه أثمرت ( الرضا والتسليم ) ضرورة عدم وجود من يمانع ويعارض ( و ) نهاية ( العبادة ) وهي إطاعة اللّه تعالى في الأمر والنهي ، فإن غاية المطيع الرضا والتسليم أيضا .
وكمال الإسلام في التسليم والتفويض ، فإن صاحب مقام التسليم لو طوّق في رقبته طوق اللعنة كإبليس ، لكان راضيا من حيث إنه قضاء الحق تعالى ، كمثل رضاه بإيمانه وإسلامه ، لأن الطالب الصادق راض بقضاء اللّه تعالى وتقديره ، لا بفعل نفسه .
( وكمال الإسلام ) إنما هو في ( التسليم للّه ) تعالى ( والتفويض له ) تعالى لا يختلج في خاطره لوم على شيء من أمور الأقدار الإلهية بزيادة أو نقصان على كل حال .
( فإن صاحب مقام التسليم ) والتفويض ( لو ) فرضنا أنه ( طوّق ) أي طوقه اللّه تعالى بمعنى وضع له الطوق وهو القيد من الحديد ( في رقبته ) ، وكان ذلك الطوق طوق ( اللعنة ) وهي الطرد والبعد من رحمه اللّه تعالى ( كإبليس ) عليه اللعنة لكان أي صاحب مقام التسليم ( راضيا ) بذلك مختارا له على غيره ( من حيث إنه قضاء الحق تعالى ) عليه أي حكمه وأمره ( وتقديره ) أي مقتضى إرادته المخصصة « 2 » له في الأزل ، وذلك لأنه يعلم قطعا أن قضاء اللّه تعالى وتقديره على مقتضى إرادته تعالى ، وإرادته تعالى على مقتضى علمه ، وعلمه تعالى على مقتضى ما هو عليه ذلك العبد في حضرة إمكانه وهو معدوم ، فما أعطانا إلا ما أخذ منا ، وما أخذ منا إلا ما أعطته ذواتنا الممكنة في عالم عدمها ، وما أعطته ذواتنا الممكنة في عالم عدمها إلا ما أخذته منه في ظهوره بها لها ، فمنه بدأ الأمر وإليه يعود . ولنا في مبحث القضاء والقدر كلام طويل ذكرناه في كتابنا « المطالب الوفية » .
هامش
( 1 ) اللام هنا للتعليل ، أي لأجل الوجود الحق .
( 2 ) أي التي رجحت ظهوره في وقت ومكان وعلى هيئة خاصة به .