وفي هذا المقام يكون العبد محفوظا عن مجاوزة الوظائف الشرعية من الأمر والنهي وهو دليل على صحة حال الفناء والبقاء . قال الشيخ أبو سعيد الخراز في هذا المعنى :
كلّ باطن يخالفه الظاهر فهو باطل .
( وفي هذا المقام يكون العبد محفوظا ) في ظاهره وباطنه وسره وعلانيته ( عن مجاوزة ) أي تعدي حدود ( الوظائف ) جمع وظيفة ، وهو ما وظّفه اللّه تعالى على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المترجم له عنه تعالى ( الشرعية ) أي المنسوبة إلى الشرع وهو البيان الإلهي بالواسطة ( من الأمر ) القطعي أو الظني ( والنهي ) القطعي أو الظني ، ( وهو ) أي هذا الحفظ المذكور ( دليل ) عند الغير ( على صحة حال الفناء والبقاء ) المذكورين وصدق المريد فيهما .
( قال الشيخ أبو سعيد أحمد بن عيسى الخراز ) البغدادي صلى اللّه عليه وسلم مات سنة سبع وسبعين ومائتين في هذا المعنى المذكور - ( كل باطن ) يتصف به المريد من الاعتقاد إذا كان ( يخالفه الظاهر ) من العمل ( فهو ) أي ذلك الباطن ( باطل ) لأنه نفاق ، فتارة يكون في الباطن إيمان وفي الظاهر مخالفة ، وتارة يكون في الباطن مخالفة وفي الظاهر طاعة .
وهذان القسمان باطلان في باب الكمال الإنساني . أما الأول فالمخالفة في الظاهر دليل على المخالفة في الباطن ، وأما الثاني فالمخالفة في الباطن دليل على المخالفة في الظاهر .
ويبقى القسمان الآخران وهما أن يتوافق الباطن والظاهر على الطاعة وهو الكمال المطلوب أو على المخالفة وهو النقصان المعلوم .
وبعد التحقق بالفناء والبقاء يعني السير إلى اللّه تعالى والسير في اللّه تعالى الذي هو بعد الفناء ، يتحقق السير عن اللّه تعالى وباللّه تعالى ، الذي هو مقام التنزل إلى مبلغ عقول الخلق لدعوتهم إلى الحق وهذا مقام الخواص من الأنبياء والمرسلين .
مفتاح المعية في دستور الطريقة النقشبندية — صفحة 174
مساهمون: عبد الغني ابن إسماعيل النابلسي
ص١٧٤