المقصود فإذا قطعت مسافات معاني العوالم ووصلت إلى اللّه تعالى انفتح لها سير آخر بمعاني أخرى تشير إليه الحضرات الإلهية بلسان الصفات والأسماء ، فيبتدي السير في اللّه تعالى بعد انتهاء السير إلى اللّه تعالى ، ( فإن العبد بعد الفناء المطلق ) وهو فناء الفناء ( الذي هو فناء الذات ) الظاهرة له بعد فناء جميع الأغيار ( وفناء الصفات ) الظاهرة له بعد ذلك ، فإن جميع ما ظهر له من الحق تعالى في وقت فنائه عن الأغيار إنما هو من جملة الأغيار ، فلا بد من الفناء عنه أيضا .
فإذا فني عن جميع ذلك ( يخلع عليه حينئذ ) أي يلبسه اللّه تعالى خلقة الوجود الحقاني أي الذي هو حق في حقيقة الأمر ( حتى يتصرف في ذلك الوجود ) الحقاني ( بالأوصاف الإلهية ) التي هي للحق تعالى ، فتصير قدرته قدرة اللّه تعالى وإرادته إرادة اللّه تعالى وسمعه وبصره وهكذا إلى آخر الصفات الأوصاف فيذهب العبد ويظهر الرب عز وجل في بصيرة ذلك العبد التي ذهبت وظهر علم الحق تعالى ، ( ويتخلق ) ذلك العبد حينئذ ( بالأخلاق الربانية ) فيقال له العالم الرباني ، قال تعالى :
وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ
« 1 » الآية .
وفي هذا المقام يتحقق بمرتبة بي يسمع ، وبي يبصر ، وبي ينطق ، وبي يبطش ، وبي يمشي ، وبي يعقل .
( وفي هذا المقام ) الذي هو مقام الذكر الخفي يتحقق العبد من غير تأويل ولا تحريف بمرتبة أي بحقيقة معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلم الحديث القدسي « لا يزال عبدي يتقرب إلىّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به » « 2 » الحديث .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران آية : 80 .
( 2 ) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق من صحيحه ( 4 / 87 ) ط الحجازي .