إلا إذا تركت علمك الظلماني الطبيعي ، ولا يمكن أن تعلم ربك العلم التام وتصل إلى معرفته تعالى وشهوده ، إلا إذا تركت علمك النوراني أيضا ووجودك الروحاني ، فتزول عنك جميع الحجب وتشهد الأمر على جليته من غير شبهة .
فالفناء الأول هو أنه بواسطة ظهور الحق تعالى يذهب الشعور بالسوى ، أعني موجودات العالم الظلماني ، والفناء الثاني هو فناء الفناء ، وهو أن يذهب الشعور بالفناء أيضا لا يبقى للوجود الروحاني منه شعور ، لأن الشعور من صفات الوجود الروحاني ، لأنها صفة لازمة ، فإذا ذهب الشعور بالشعور لزم أن يذهب الوجود الروحاني في هذا المقام .
( فالفناء الأول ) الذي هو فناء عن وجود الظلماني ( هو أنه ) يكون المريد ( بواسطة ظهور الحق تعالى ) حتى ( يذهب ) من قلبه ( الشعور ) أي الإدراك أو العلم ( النبوي ) أي بسوى اللّه تعالى ( أعنى ) بجميع ( موجودات العالم ) بفتح اللام ( الظلماني ) وهو عالم الأجسام والصور ، فإنه كله ظلمة إذ لا ظهور للحق فيه إلا غيبا لا عينا ، ولهذا سمى ظلمانيا ، بخلاف الوجود النوراني فإن الحق ظاهر فيه عينا .
( والفناء الثاني ) وهو الفناء عن الوجود النوراني ( هو فناء الفناء ) كما ذكرنا ( وهو أن يذهب ) من قلب المريد ( الشعور ) أي الإحساس ( بالفناء أيضا ) أي كما ذهب الشعور في الفناء الأول بالسوي فلا يبقي في المريد ( للوجود الروحاني منه شعور ) وإحساس مطلقا وذلك ( لأن الشعور من صفات الوجود الروحاني ) لأنه صورة الروح ، فإذا ذهبت صورتها ، ذهب كونها روحا ، فتصير نور الأنوار لأنها ( صفة لازمة ) للروح ، إذ به تسمى الروح روحا ، فإذا زال بطل كونها روحا .
ولهذا قال : ( فإذا ذهب ) عن الروح ( الشعور بالشعور ) ، وهو الشعور بالفناء الذي هو شعور بعدم السوي ( لزم ) من ذلك ( أن يذهب الوجود الروحاني ) ويضمحل بالكلية فيظهر أمر اللّه تعالى حينئذ الذي به قيام كل شيء وهو القرآن من جهة جمعه ،
مفتاح المعية في دستور الطريقة النقشبندية — صفحة 167
مساهمون: عبد الغني ابن إسماعيل النابلسي
ص١٦٧