( من نور ) إشارة إلى الحجب النورانية الروحانية التي هي كناية عن الوجود النوراني الروحاني كما ذكرنا ، ( ومن ظلمة ) إشارة إلى الحجب الظلمانية الطبيعية التي هي كناية عن الوجود الظلماني الطبيعي .
واعلم أن الإنسان له وجودان حقيقيان لا خياليان ، لأن أحدهما وهو الأول في إدراكه وفيه كل إنسان عند نفسه قبل معرفتها وهو الغالب في هذا النوع الإنساني إلا من كان من أهل العناية الربانية ، وهو الوجود الظلماني وسببه جمود البصيرة والبصر على إدراك ما تدركه الأطفال في ابتداء إدراكها ثم الاعتياد على ذلك والرسوخ فيه « 1 » . والثاني وهو بعد الأول في الإدراك وفيه أهل العناية والتوفيق وهو الوجود النوراني وسببه زيادة التصديق والإذعان وكثرة التسليم بالقلب ، والإيمان والطمأنينة والإيقان ، والاعتراف ظاهرا وباطنا بالعجز والقصور عن معرفة أهل الشهود والعيان ، وتخطئة النفس في جميع ما تدركه وتفهمه من الاعتقادات الإلهية والنبوية والأخروية الواردة في السنّة وفي القرآن ، فإن اللّه تعالى لا يعلمك من علمه إلا إذا تركت علمك وعلمك ليس بعلم كما قال تعالى :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
« 2 » وقال تعالى :
إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ
« 3 » ، فكما أن وجودك النوراني من نور نبيك ونور نبيك من نور اللّه ، وسر وجودك الظلماني من ظلمة نفسك ، وظلمة نفسك من ظلمة الشيطان ، والشيطان عدو الرحمن وصديق العدو عدو ، وصديق الصديق صديق .
وعلمك في الوجود الظلماني من علم إبليس عليه اللعنة وعلمك في النوراني من علم النبي صلّى اللّه عليه وسلم وهو من علم اللّه تعالى ، فلا يمكن أن تعلم وجودك النوراني وتصل إليه
هامش
( 1 ) وهذا قريب من كوجيتو ديكارت الذي هو عبارة عن القضية الشهيرة : أنا أفكر إذن أنا موجود ، وهو عند الإمام النابلسي إدراك ظلماني ناتج من الجمود على ما تدركه الأطفال في ابتداء الإدراك ! وأعلى منه الوجود النوراني الذي يقوم على التسليم والتصديق بالقلب .
( 2 ) سورة البقرة آية : 216 .
( 3 ) سورة الأحقاف آية : 23 .