تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفتاح المعية في دستور الطريقة النقشبندية — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
والإدراك كيفية من كيفياتها ، يتبدل إلى كيفية في وقت العلم غير الكيفية في وقت الجهل ، وهكذا جميع الوجود ، فالتحقق بذلك هو الفناء عن الوجود الظلماني الطبيعي . ( و ) أما الوجه ( الثاني ) فهو ( الفناء ) أي الاضمحلال والذهاب بالكلية وهو أعلى من الأول لأنه لا يكون إلا بعده فهو أرقى منه وهو فناء الفناء . فجميع ما يظهر لك من تجلى الحق تعالى في الفناء تفنيه في هذا الوجه الثاني حتى يفنى فناؤك الأول فتشهد ما فنيت عنه في ما فنيت فيه ، وهذا هو البقاء بعد الفناء . وإنما سمى الفناء الثاني لأن فيه فناء الفناء الأول ، وإن كان فناء الفناء بقاء ، كما أن نفى النفي إثبات . ( عن الوجود ) الذي شهدته بعد ذهاب وجودك الظلماني الطبيعي وهو وجود الحق تعالى الظاهر لك من حيث أنت مشاهد له ( النوراني ) أي الذي لا تبقى معه في الوجود ظلمة شيء مطلقا فهو الظاهر لك بعد ذهاب ظلمة طبعك عن عين بصيرتك كما ذكرنا ، ففيه ترى الحق تعالى ظاهرا في جميع الوجود لا يخلو عنه ظهور شيء مطلقا ، وفيه تفهم قوله تعالى :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
« 1 » إلا به ونحو ذلك من مشكلات الأمور بلا تأويل لشيء من ذلك . لكن ذلك كله ظهور منه بحيث أنت ، لا من حيث هو الحق عز وجل فهو ظهور استعدادك من حيث إدراكك لظهور الحق تعالى ، لا ظهور الحق تعالى من حيث ما هو عليه في أزله فلا بد من فنائك عنه واضمحلاله فيك حتى يظهر لك الحق سبحانه وتعالى من حيث هو ظهورا حقيا حقيقيا من غير تعمل منك من حيث وجودك ( الروحاني ) المنسوب إلى الروح الذي هو من أمر اللّه بلا واسطة وهو مخلوق فلا بد من الفناء عنه لشهود اللّه باللّه لا بالروح ، فإن الروح لا يشهد من اللّه تعالى إلا على مقدار استعداده فالمشهود له استعداده حينئذ لا اللّه تعالى كما ذكرنا .
هامش
( 1 ) سورة النور آية : 35 .
مفتاح المعية في دستور الطريقة النقشبندية — صفحة 164 | عبد الغني ابن إسماعيل النابلسي / جودة محمد ابو اليزيد المهدى / محمد عبد القادر نصار