وقال بعض العارفين « 1 » : « إياك أن تميل إلى غير اللّه تعالى فيسلبك اللّه حلاوة مناجاته ، وما وصل إلى صريح الحرية من عليه من نفسه بقية داعم أن السالك ذاهب إليه ، والعارف ذاهب فيه » ، وقال : « جعل اللّه تعالى قلوب أهل الدنيا محلا للغفلة والوسواس ، وقلوب العارفين مكانا للذكر والاستئناف » .
وفي منبر التوحيد للشيخ الإمام المحدث نجم الدين الغزي العامري - رحمه اللّه تعالى - عن حجة الإسلام الغزالي رضي اللّه عنه أنه قال : « اعلم أن أرباب القلوب يكاشفون بأسرار الملكوت تارة على سبيل الإلهام ، بأن يخطر لهم على سبيل الوارد عليهم من حيث لا يعلمون ، وتارة على سبيل الرؤيا الصادقة « 2 » ، وتارة في اليقظة على سبيل كشف المعاني بمشاهدة هذه الأمثلة كما يكون في المنام » ، قال : « وهذه أعلى الدرجات ، وهي من درجات النبوة العالية ، كما أن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة » « 3 » .
هامش
( 1 ) العارف من أشهده الرب عليه فظهرت الأحوال عن نفسه ، والمعرفة حاله ، وعلامة العارف ثلاثة : ألا يطفئ نور معرفته ، ولا يعتقد باطنا من العلم ينقض عليه ظاهرا من الحكم ، ولا تحمله كثرة نعم اللّه وكراماته عليه على هتك أستار محارم اللّه تعالى .
والفرق بين العارف والمؤمن : أن المؤمن ينظر بنور اللّه ، والعارف ينظر باللّه عز وجلّ ، وللمؤمن قلب وليس للعارف قلب ، وقلب المؤمن يطمئن بالذكر ولا يطمئن العارف بسواه ، والفرق بين المعرفة والإيمان : أن المعرفة للعارف موهبة ووجد ، والإيمان نور وعطاء . ( المعجم الصوفي ، ص 165 - 167 ) .
( 2 ) أخرج البخاري في التعبير ، باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ؛ ومسلم في كتاب الرؤيا في فاتحته رقم [ 7 - ( 2264 ) ] ، ورقم [ 8 - ( 2263 ) ] ؛ وأخرجه الترمذي ( 2271 ) ، 35 - كتاب الرؤيا ، 1 - باب أن رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ؛ وقال الترمذي : حديث صحيح .
( 3 ) انظر تخريجه قبل هذا .
وقال النووي : قال الخطابي وغيره : قال بعض العلماء : أقام صلى اللّه عليه وسلم يوحى إليه ثلاثا وعشرين سنة ، منها عشر سنين بالمدينة وثلاث عشرة بمكة ، وكان قبل ذلك ستة أشهر يرى في المنام الوحي ، وهي جزء من ستة وأربعين جزءا .