تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الوجود — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
قال الشيخ الأكبر في الفتوحات المكية : أقل درجات العاقل اللبيب الناصح نفسه أن لا يكذب بما يبلغه من علوم الأسرار الباردة من أهل طريق اللّه تعالى الأتقياء الأبرار ، فإنهم لا يأتون بما هو خارج عن الشريعة المطهرة ، وكيف يكون خارجا عنها وهو من نتائج الاتباع الكامل ، وإنما يأتون بأسرار الشريعة مما هو خارجة عن قوة الفكر والكسب ، لا تنال إلا بالمشاهدة والإلهام السالم من الاحتمالات أو نحو ذلك ، فالعاقل اللبيب إن لم يصدق به فلا أقل من أن لا يكذب به أيضا ، بل ما يسرحه في بقعة الإمكان وأقل درجات الطالب لهذا العلم الشريف الإحاطى أن يصدق بأن ما يتحقق به أهل طريق اللّه المتبعون اتباعا كاملا في الظاهر والباطن حق ، وإن لم يذقه ، وإذا وجد في نفسه التصديق الجازم بذلك كلا منهم في مشرب من مشاربهم « 1 » ، وكان على بينة من ربه ولا بد ، وتلك البينة أن يصدقهم ويوفقهم ، وإن لم يشعر به . قال الشيخ الأكبر رضي اللّه عنه في الفتوحات المكية أيضا : ولا يسلم لصاحب العلم اللدني ، الذي هو صاحب العلم الإحاطى ، أحد طريقه إلا من ذاق ما ذاقوه أو آمن به ، كما قال أبو يزيد البسطامي « 2 » - قدس اللّه سره - : إذا رأيت من يؤمن بكلام أهل هذه
هامش
( 1 ) الذوق والشرب من جملة ما يجرى على ألسنة الصوفية ، وأول ذلك الذوق ثم الشرب ثم الري ، فصفاء معاملاتهم يوجب لهم ذوق المعاني ، ووفاء منازلاتهم يوجب لهم الشرب ، ودوام مواصلاتهم يقتضى لهم الري ، وصاحب الذوق متساكر ، وصاحب الشرب سكران ، وصاحب الري صاح . والشرب تلقى الأرواح والأسرار الطاهرة لما يرد عليها من الكرامات وتنعمها بذلك ، فشبه ذلك بالشرب لتهنيه وتنعمه بما يرد على قلبه من أنوار مشاهدة قرب سيده . [ المعجم الصوفي ( 133 ) ، طبعة دار الرشاد ] . ( 2 ) أبو يزيد البسطامي واسمه طيفور بن عيسى ، مات سنة إحدى وستين ومائتين ، ومن كلامه : اختلاف العلماء رحمة إلا في تجريد التوحيد ، ولقد عملت في المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت شيئا أشق على العبد من العلم ومتابعته . وكان يقول : عرفت اللّه باللّه وعرفت ما دون اللّه بنور اللّه ، وكان يقول : خلع اللّه على العبيد النعم ليرجعوا بها إليه فاشتغلوا بها عنه . [ الطبقات الكبرى للشعرانى ( 1 / 65 ) ] .
كتاب الوجود — صفحة 350 | عبد الغني ابن إسماعيل النابلسي / سيد يوسف احمد