ورحم اللّه تعالى الشيخ محمد بن دهبان الحنفي على أنصافه ، وكان لا يفارق مجلس العارف باللّه تعالى أبى الوفا بن عقيل الواعظ « 1 » ، وكان يقول : « الفقه يقسى القلب ، والوعظ يرققه » « 2 » انتهى .
وهذا أمر ظاهر ، فإنك ترى الفقيه إذا أمر أو نهى أو تكلم بمسألة شرعية أو تعلمها بغيب في ذلك الوقت عن شهود اللّه تعالى ، وكونه سبحانه مستوليا على كل شيء ، وأنه قاهر فوق عباده ، ويكاد يعتقد أن الخلق يخلقون من قسوة قلبه ، واستيلاء الغفلة عليه ، وقد وجدت كثيرا من المتفقهة « 3 » لا يحفظ إلا المسألة التي فيها تشديد على الناس ، والتي فيها تسهيل يخفيها على الضد من قوله تعالى :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
( البقرة : 185 ) .
والقسم الثاني : الساكتون عن الاعتراف بمزية العلم الإلهى ومزية أهله ، وعن ذكر
هامش
( 1 ) أبو الوفا كان من أعيان مشايخ العراق في وقته ، وتتلمذ له خلق لا يحصون من العلماء والصلحاء ، وكان له أربعون خادما من أرباب الأحوال ، وهو أول من سمى بتاج العارفين بالعراق .
ومن كلامه : الذكر ما غيبك عنك بوجوده وأخذك منك بشهوده ، فإن الذكر شهود الحقيقة وخمود الخليفة ، وكان يقول : الأجسام أقلام والأرواح ألواح ، والنفوس كئوس ، والوجد حسرة تلهب ، ثم نظرة تسلب ، والقوة محادثة السر عند اصطلام العبد يشاهد الحضور واستغراق القلب في بحر المشاهدة لغلبة المشهود . [ الطبقات الكبرى للشعرانى ( 1 / 116 ) ] .
( 2 ) أين هذا الكلام من قول النبي صلى اللّه عليه وسلم فيما رواه البخاري في صحيحه ( 71 ) ، 3 - كتاب العلم ، 14 - باب من يرد اللّه به خيرا يفقهه في الدين ، عن معاوية : سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « من يرد اللّه به خيرا يفقهه في الدين . . . الحديث » .
ورواه مسلم [ 175 - ( 1037 ) ] ، كتاب الإمارة ، 53 - باب قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم » .
( 3 ) أخرجه مسلم في صحيحه [ 13 - ( 2673 ) ] ، كتاب العلم ، 5 - باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان ، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ؛ ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يترك عالما ، اتخذ الناس رءوسا جهالا ، فسئلوا فأفتوا بغير علم ، فضلوا وأضلوا » .
وهو في البخاري ( 100 ) كتاب العلم ، باب كيف يقبض العلم .