أيديهم ، مع أن يده صلى اللّه عليه وسلم فوق أيديهم في وقت البيعة وغيرها ، ونحن لا ننكر الاعتبار العقلي والنظر الحسى في شهود أهل الغفلة ؛ إذ هو مناط التكليف بالشرائع والأحكام كما قررنا مفصلا فيما تقدم .
ولكن كتابنا هذا في بيان مقام التحقيق والعرفان لطالب حضرة الشهود والعيان من مقام الإحسان .
وقد علم أناس مشربهم .
والقسم الثالث : وهو شهود الذات الإلهية لا موجود إلا اللّه ، وهو الوجود الحق القديم ، وكل ما سواه فان هالك عديم كما قال اللّه تعالى :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
( القصص : 88 ) .
وقال تعالى :
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
( الرحمن : 26 ، 27 ) .
والهالك الفاني « 1 » هو في الحال هالك فان ، وهو عدم « 2 » محض ، ولكنه ظاهر بالوجود ، لا بل الوجود ظاهر به ؛ أي بتجليه به ، والعقل والحس يدركان أنه موجود ولا يعرفان حقيقة أمره ، والغفلة غالبة على القلوب المشغولة بالدنيا ، واللّه الهادي لا سواه .
[ انقسام الناس في حق أهل هذه الطريقة المرضية على أربعة أقسام ]
وصل : اعلم أن الناس في حق أهل هذه الطريقة المرضية على أربعة أقسام :
القسم الأول : المنكرون عليهم ، الجاحدون لما هو عليه من الدين القويم والصراط
هامش
( 1 ) الفاني عما له باق بما للحق ، والمفارق مجموع ؛ لأنه لا يشهد إلا الحق ، وليس الفاني بالصعق ولا المعتوه ، ولا الزائل عنه أوصاف البشرية فيصير ملكا أو روحانيا ، ولكنه من فنى عن شهود حظوظه وهو أحد عينين ، فإما لم ينصب إماما ولا قدوة فيجوز أن يكون فناؤه غيبه عن أوصافه فيرى بعين العتاهة وزوال العقل لزوال تمييزه . [ المعجم الصوفي ( 188 ) ] .
( 2 ) كان الإنسان بعد أن لم يكن وسيفنى بعد أن كان ، ومن كلا طرفيه عدم ، فهو عدم ، ومعنى ذلك أن الكائنات لا تثبت لها رتبة الوجود المطلق ؛ لأن الوجود الحق إنما هو للّه وله الأحدية فيه ، ومن كان وجوده من غيره فالعدم وصفه في نفسه ، والصوفي من يرى الخلق لا موجودين ولا معدومين بحسب ما هم في علم رب العالمين . [ المعجم الصوفي ( 174 ) ، طبعة دار الرشاد ] .