وغيرهم ، وليست الحالتان سواء في حكم اللّه تعالى ، فإن الحالة الأولى حالة الجمع ما دام العبد فيها وهو لا يدرك شيئا ، ولا يعنى نفسه ولا غيره ، ولا يمر بين السماء والأرض ، والطول والعرض ، فإنه تسقط عنه جميع التكاليف الشرعية والعرفية لفقد شرط التكلف منه ، وهو العقل ، فإن الشرائع والأديان كلها لم ترد من اللّه تعالى على ألسنة الأنبياء والمرسلين إلا خطابا لعقلاء بشرط وجود العقل فيهم ، ومتى فقد العقل فلا تكليف أصلا ، إلى ذلك يشير العارف الكامل أبو مدين الأندلسي « 1 » - قدس اللّه سره - بقوله من أبيات له :
فقد رفع التكليف في سكرنا عنه * ولا تلم السكران في حال سكره
والحالة الثانية حالة الغرق ، وهي إذا عاد العقل ورجع العبد إلى حالة الإدراك والتمييز فإنه يرجع التكليف إليه بجميع ذلك العقل ، فإذا عاد إلى الحالة الأولى عاد إلى سقوط التكليف لفقد العقل كذلك . وهذا حكم اللّه الحق في خلقه إلى يوم القيامة ، لا ينسخ ولا يتغير ، وهو حكم الشريعة المحمدية ، وحكم الحقيقة الأحمدية « 2 » ، وحكم الطريقة
هامش
( 1 ) قال الشعراني في الطبقات الكبرى ( 1 / 134 ) : كان رضي اللّه عنه يقول : للفقر نور ما دمت تستره ، فإذا أظهرته ذهب نوره .
وكان يقول : من كان الأخذ أحب إليه من الإعطاء ، فما يشم للفقر رائحة .
وكان يقول : الإخلاص أن يغيب عنك الخلق من مشاهدة الحق .
وكان يقول : من نظر إلى المكونات نظر إرادة وشهوة حجب عن العبرة فيها والانتفاع بها .
وكان يقول : من عرف أحدا لم يعرف الأحد ، والحق ما بان عنه أحد من حيث العلم والقدرة ، ولا اتصل به أحد من حيث الذات والصفات . . . إلى آخر قوله .
( 2 ) حقيقة الحقائق هي المرتبة الأحدية الجامعة لجميع الحقائق ، وتسمى حضرة الجمع ، وحضرة الوجود ، والحقيقة المحمدية : هي الذات مع التعين الأول ؛ وهو الاسم الأعظم .
وقيل الفرق بين الحق والحقيقة أن الحق هو الذات ، والحقيقة هي الصفات ، فالحق اسم الذات ، والحقيقة اسم الصفات ؛ وذلك لأن المريد إذا ترك الدنيا ، وتجاوز عن حدود النفس والهوى ، ودخل في عالم الإحسان ، فإنهم يقولون : إنه دخل في عالم الحقيقة [ المعجم الصوفي ( 79 ) ، طبعة دار الرشاد ] .