تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الوجود — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
وأما الموصل إلى ذلك من السبب المركب من قضيتين ، فالقضية الأولى سبب لزندقة والقضية الثانية سبب الإلحاد ، وهما متلازمان . فالقضية الأولى سبب الزندقة سلوك الكبار منهم من تحقيق التوحيد ، ووصولهم إلى شهود الوجود الحق « 1 » الواحد سبحانه ، ورؤية كل ما سواه تعالى من المخلوقات فانيا معدوما بالعدم الأصلي ، واستصحاب ذلك الشهود لمحة أو لمحات ، ثم العود إلى ما كانوا فيه من قبل ؛ لأن ذلك الشهود « 2 » لا ثبات له باعتبار غلبة الحكم العقلي والإدراك الحسى بشهود الأكوان وتحقيق وجود المخلوقات في العقل والحس ، وهم حاكمون مع ذلك بالفناء والعدم والاضمحلال على جميع المخلوقات في وجود اللّه تعالى الوجود الحق إيمانا بالغيب ؛ حيث تحققوا به مرة ، ثم غابوا عن ذلك التحقيق ، ورجعوا إلى حكم العقل ، فتوهموا أن حكمهم عند اللّه تعالى في الحالتين واحد ، وأنهم لا تكليف عليهم في الحالتين أصلا ، وتبعهم في اعتقاد ذلك جماعات عوام رعاع ، لا يعرفون علماء ، ولا عملا غير تقليد مشايخ في اعتقاد سقوط العمل عنهم ، وفي حفظ كلمات لهم باطلة
هامش
( 1 ) ما حقيقة موقف ابن عربى من الوحدة الوجودية ، ومن نسبة التفكير النظري إلى الشهود الصوفي فيها ؟ وحدة وجود ، أم وحدة شهود ؟ ويعود التردد بين الوحدتين إلى أنهما تتطابقان في النتيجة ، فكلتاهما ترى أن الوجود الحقيقي واحد وهو اللّه . ولكن صاحب وحدة الشهود يقولها في غمرة الحال على حين يدافع عنها ابن عربى في صحو العلماء وبرود النظريين . [ التصوف الإسلامي ( 52 ) ] . ( 2 ) وحدة ابن عربى تختلف عن وحدة شهود غيره بسبب جوهري ؛ وهو أن الشيخ ابن عربى لم يقطنها ثمرة فيض فناء في الحق ، فناء أفناه عن رؤية كل ما سوى الحق ، فقال بعدم كل ما سواه ، كلا إن ابن عربى يرى الكثرة ، وشهوده يعطيه الكثرة ، وبصره يقع على كثرة ، إذن الكثرة عنده موجودة . وهنا نستطيع أن نقول : إن وحدته على النقيض من وحدة الشهود ، تعطى كثرة شهودية ، فالنظر يقع على كثرة عنده ، وهذا ما لا يمكن أن ينطبق على وحدة الشهود . [ المرجع السابق ( 51 ) ] .