وربما يظنون أن العارفين الكاملين ممن تقدمهم كان مثلهم في اعتقادهم نفى التكاليف الشرعية ، ورفض العلوم كلها ، واتباع البطالة والضلالة « 1 » ، كالشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي ، وتلميذه الصدر القونوي ، وابن الفارض ، وابن سبعين « 2 » ، والجيلى ، وغيرهم من أهل الكمال ، ولم يعتبروا نفوسهم أن الواحد منهم لو قارب أحدا من بعض أتباع أحد من هؤلاء الكاملين لفتح اللّه تعالى عليه بعلوم الأسرار ، وعرف حقيقة من حقائق الغيب .
وقدر على أن المتكلم بها بما يبهر العقول من الحق المسلم عند كل أحد ، ولكنك تراهم يحفظون بعض كلمات من كلام الشيخ الأكبر أو غيره ، ويوردونها باللحن والتغير والتحريف « 3 » والزيادة والنقصان بين أمثالهم من الجاهلين الثيران في مجامعهم
هامش
( 1 ) الدهرية من فرق أهل الغلو ، نفوا الربوبية وجحدوا الصانع المدبر العالم القادر ، وزعموا أن العالم لم يزل موجودا كذلك بنفسه لا بصانع ، ولم يزل الحيوان من النطفة والنطفة من الحيوان .
وهم ينكرون النبوة والبعث والحساب ، ويردون كل شيء إلى فعل الأفلاك ، ولا يعرفون الخير ولا الشر وإنما اللذة والمنفعة .
والطبيعيون الدهريون خلاف فلاسفة الدهريين ، والأولون يقولون بالمحسوس وينكرون المعقول ، بينما يقول الآخرون بالمحسوس والمعقول معا ، وينكرون الحدود والأحكام ، ويصفهم القرآن فيقول :وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ( الجاثية : 23 ) . [ موسوعة الفرق والجماعات ( 225 ) ] .
( 2 ) ابن سبعين هو أبو بكر محمد قطب الدين ، عبد الحق بن إبراهيم محمد بن نصر ، ولد ابن سبعين في وادى رقوطة من أعمال مرسية ، ودرس العربية والآداب على جماعة من شيوخها ، ونظر في العلوم الدينية على مذهب مالك ، وفي العلوم العقلية وفي الفلسفة ، وكان من زهاد الفلاسفة القائلين بوحدة الوجود أو أنه كان صوفيّا متفلسفا متزهدا ، وكان راسخا في الفلسفة وله ثقافة واسعة تبدو من مصنفاته . [ دراسة في التصوف الفلسفي الإسلامي ( 78 ) ، طبعة دار الحديث ) ] .
( 3 ) ليس التصوف القول بما يخالف الشريعة الحقيقية ، أو أن أهل الحقيقة لا يتقيدون بالشريعة ، أو أن ظاهر الإسلام شيء غير باطنه ، وليس التصوف القول بالحلول أو الاتحاد أو الوحدة التي تزعم أن الكون هو اللّه واللّه هو الكون ، وليس التصوف تحريف أسماء اللّه والرقص بها ممطوطة أو محولة إلى أصوات ساذجة لا معنى لها ، أو قراءة أوراد بغير فهم ولا إدراك . [ انظر : مقدمة كتاب قطر الولي على حديث الولي ( 4 ) ، من تحقيقنا ، طبعة دار الكتب العلمية ] .