تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الوجود — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
ذلك جميع الكلام وجميع التراكيب ، واندراج فيما عرفته جميع العلوم وجميع المعاني ، وهو حيوان ثور أبكم ، فضلا عن كونه جاهلا ، ومع ذلك فإنه ما عرف شيئا معنى أصلا ، وفاتته المعاني كلها ؛ لأن المعاني إنما تعرف بالكلام المركب وبالتراكيب المختلفة « 1 » ، فإذا نفى الكلام المركب واحتياج الناس إلى التراكيب المختلفة في إدارة المعاني بينهم في الخطابات والمكالمات ، فهو مجنون لا عقل له ، ومعتوه لا اعتبار له ، ولا يلتفت إليه ؛ لخروجه عن خير العقلاء بالكلية . وما ذا يفيد ممن معرفته حروف الهجاء وحدها « 2 » ، ومعرفته بأن جميع الكلام مركب منها ، فإن علمه بذلك غير مقصور للعقلاء إلا من حيث الدخول به في معرفة الكلام المركب والتراكيب المختلفة ، لإفادة المعاني المقصور بالذات ، وكذلك معرفة الزنادقة والملحدين بالوجود « 3 » ، وأنه تعالى على رغم أنهم فهموا المراد بذلك مع تركهم لكل ما سواه من الأشياء القائمة به على زعمهم الترك أيضا . فإن الترك الكل ما سوى الوجود غير ممكن أصلا ، خصوصا مع العقل والإدراك ، فإن الواحد منهم يعرف نفسه وغيره ، ويدرك المأكل والمشرب ، ويعرف الناس ، ويطلب الدنيا ، ويغرب في الشهوات واللذات ، ولهم أغراض نفسانية وأحوال شيطانية ، وكل ذلك
هامش
( 1 ) إذا كان وجود الحق هو عين وجود الخلق ، فقد فسر ابن عربى الفرق بينهما بأنه راجع إلى أن الإنسان لا ينظر إليهما من وجه واحد ، إنما ينظر إليهما باعتبارهما حقّا من وجه وخلقا من وجه آخر ، ولو نظر إليهما بعين واحدة ومن وجه واحد أو على أنهما وجهان لحقيقة واحدة لاستطاع أن يدرك حقيقتهما الذاتية الواحدة التي لا كثرة فيها ولا تفرقة . ( 2 ) تصوف وحدة الوجود هو التصوف المبنى على القول بأن ثمة وجودا واحدا فقط وهو وجود اللّه ، أما التكثير المشاهد في العالم فهو وهم على التحقيق تحكم به العقول القاصرة ، فالوجود إذن واحد لا كثرة فيه . ( 3 ) الصور المختلفة لوحدة الوجود يمكن أن ترد إلى صورتين ، الأولى : القول بأن اللّه وحده هو الموجود الحق ، وأن العالم مجموع ظواهر وأحوال ليس لها وجود حقيقي دائم ولا جوهر متميز . والثانية : هي القول بأن العالم وحده هو الموجود الحق وليس اللّه سوى مجموع الأشياء الموجودة في العالم ، ويسمى مذهب وحدة الوجود الطبيعة أو المادية . [ انظر : المعجم الفلسفي ( 2 / 569 ، 570 ) ] .