وإنما تعلق علم العارفين « 1 » به من جهة رؤيتهم أن كل محسوس وكل معقول وكل معنى وكل موهوم صور قائمة بحقيقة الوجود الغائبة عن العقل والحس الظاهر بمعقولات العقل ومحسوسات الحس ، وتلك الحقيقة الفانية عن ضبط العقل لها هي المسماة باللّه ، وبالحق ، وبالرب ، وبجميع الأسماء الواردة في الكتاب والسنة « 2 » ، على حد ما ذكرناه وحررناه في كتابنا هذا وغيره من كتبنا ، وأعلى وأنزه من ذلك أيضا كله ، وإنما أطلقنا لفظ الوجود على تلك الحقيقة لقصد التفهيم والتعليم ، لا للكون محكوما عليها بما هو المفهوم من تصورات العقول والإفهام .
ثم إن هؤلاء الزنادقة الملحدين لما فهموا ما ذكرناه ، وعرفوا أنه تعالى هو الوجود معرفة تخيل وتصور ، اطمأنت قلوبهم إلى ذلك ، وحسبوا أنهم عرفوا اللّه تعالى ، فتركوا كل ما سواه من جميع المخلوقات ، وتهاونوا في اعتبارها معه واحتقروها ، ولم يعتبروا شيئا منها ، وكثير منهم يقلدون « 3 » في ذلك من غير معرفة ولا فهم ولا تحقق ، وظنوا أن هذا هو الزهد فيما سواه سبحانه ، والإشغال به تعالى ، فلم يكترثوا بعلوم الشريعة وعلوم القرآن والأصول ، وعلوم العربية وعلوم الأدب والأخلاق وغيرها ، زاعمين أن كل ذلك حجاب
هامش
( 1 ) الفرق بين المؤمن والعارف أن المؤمن ينظر بنور اللّه ، والعارف ينظر باللّه عز وجلّ ، وللمؤمن قلب ، وليس للعارف قلب ، وقلب المؤمن يطمئن بالذكر ولا يطمئن العارف بسواه ، والفرق بين المعرفة والإيمان أن المعرفة للعارف موهبة ووجد ، والإيمان نور وعطاء . [ المعجم الصوفي ( 167 ) ] .
( 2 ) علم الصوفية علم أحوال والأحوال مواريث الأعمال ولا يرث الأحوال إلا من صحح الأعمال ، وأول تصحيح الأعمال ولا يرث الأحوال إلا من صحح الأعمال ، وأول تصحيح الأعمال معرفة علومها وهي علم الأحكام الشرعية من أصول الفقه وفروعه ، فأول ما يلزم العبد الاجتهاد في طلب هذا العلم وأحكامه بعد أحكام علم التوحيد ، والمعرفة على طريق الكتاب والسنة والإجماع ، ثم وراء هذا علوم الخواطر والمشاهدات والمكاشفات . [ المعجم الصوفي ( 179 ) ] .
( 3 ) من أصناف العارفين زمرة أهل التقليد ، وهم ثلاثة أصناف : المقلدون لآبائهم ، والمقلدون لعلمائهم ، والمقلدون لأنبيائهم ، ومعرفة كل هؤلاء خبرية . [ المعجم الصوفي ( 166 ) ] .