من الرمية بسبب تعلقهم بعلمنا هذا ، وتمسكهم به من غير بصيرة فيه ولا معرفة له ، كما قال الشيخ الأكبر رضي اللّه عنه : « احذر هذا الطريق ، فإن أكثر الخوارج « 1 » إنما خرجوا منه ، وما هو إلى طريق الهلاك أو الملك .
من حقق علمه وعمله وحاله نال عز الأبد ، ومن فارق التحقيق فيه هلك وما نفذ » انتهى .
فنرى الجاهلين يسمعون أهل اللّه من العارفين « 2 » باللّه تعالى يقولون : إن الوجود هو اللّه ، فيفهمون معنى بعقولهم ، ويتخيلون أنه هو الوجود ، وجردوه من جميع الأشياء المحسوسة والمعقولة ، وأفرزوه بالملاحظة ، ونظروا إلى كل ما سواه من الأشياء القائمة به ، فرأوها فانية هالكة ، فظنوا ما تخيلوه من تلك الصورة المعنوية التي جردوها أنها هي اللّه تعالى ؛ لأنها هي الوجود عندهم من تلك الصور المعنوية ، هي صورة من جملة صور الأشياء المعقولة الحادثة القائمة بالوجود ، والوجود من المحال أن يدركه مدارك أو يعرفه عارف من حيث أنه وجود أصلا .
هامش
- الحواس ، وما يدرك ليس بإله ، وما لا يدرك لا يثبت ، ويزعمون أن العالم لم يزل موجودا كذلك بنفسه لا بصانع ولم يزل الحيوان من النطفة والنطفة من الحيوان ، وكذلك كان وكذلك يكون أبدا ، وهؤلاء هم الزنادقة . [ موسوعة الفرق والجماعات ( 235 ) ، طبعة دار الرشاد ] .
( 1 ) أخرجه ابن ماجة في سننه ( 173 ) في المقدمة ، 12 - باب في ذكر الخوارج ، عن عبد اللّه ابن أبي أوفى قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « الخوارج كلاب النار » ، وأخرجه أحمد في مسنده ( 4 / 355 ) ، وابن الأعرابي في معجم شيوخه ( 2 / 453 ) ، رقم الحديث ( 2384 ) ، ( من تحقيقنا ، طبعة دار الكتب العلمية ) .
( 2 ) أولى الدرجات التي يرقاها العارف هي التحير ، ثم الافتقار ، ثم الاتصال ، ثم التحير ، والحيرة الأولى في أفعاله ونعمه عنده فلا يرى شكره يوازى نعمه ، والحيرة الأخيرة أن يتحير في متاهات التوحيد فيضل فهمه في عظم القدرة الإلهية ، وهيبته وجلاله ، ونهاية العارف تتحقق فقط إذا كان العارف كما كان حيث كان قبل أن يكون ، ومعنى ذلك أن يشاهد اللّه وأفعاله دون شاهده وأفعاله . [ المعجم الصوفي ( 165 ) ] .