ذلك إلا باعتبار ظهور القدرة الإلهية به ؛ وهي الوجود الحق ، وأما صفة السمع وصفة البصر القديمتين الأزليتان فكل منهما هما نفس الوجود أيضا باعتبار إدراك كل شيء بحسب ما هو عليه الشيء في جميع أحواله التابعة له .
وأما صفة الكلام القديمة الأزلية فهي راجعة أيضا إلى نفس الوجود باعتبار إظهار الأشياء كلها بالوجود لبعضها بعضا حتى يعلم ويرد ويقدر ، ويسمع ويبصر ويتكلم لقيامه بالوجود الحق « 1 » ، وظهور الوجود الحق متجليا به كما سبق في آية تسبيح الأشياء ، والمسبح علام بمن يسبحه ، ومريد للشيخ ، ومتكلم بالتسبيح .
وقال اللّه تعالى للسماوات والأرض :
ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
( فصلت : 11 ) .
والمأمور بالآيات طوعا أو كرها سامع لما أمر به ، مريد لذلك « 2 » ، والقائل :
أَتَيْنا طائِعِينَ
متكلم عالم بأن الإتيان طوعا خير من الإتيان كرها ، بل قال اللّه تعالى :
إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
.
فالمقول له كن سامعا ، والذي يكون عقب قول القائل له كن عالما بالقول ، وأن الامتثال لازم عليه .
هامش
( 1 ) لا يزال اللّه موجودا قبل المخلوقات ، ولم يزل عالما قادرا حيّا ، ولا يزال كذلك لا تراه العيون ولا تدركه الأبصار ولا تحيط به الأوهام ولا يسمع بالأسماع ، شيء لا كالأشياء ، عالم قادر حي لا كالعلماء القادرين الأحياء ، وإنه القديم وحده ، ولا قديم غيره ولا إله سواه ، ولا شريك له في ملكه ولا وزير له في سلطانه ، ولا معين على إنشاء ما نشأ وخلق ما خلق ، ولم يخلق على مثال سابق ، وليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء آخر ولا أصعب عليه منه . [ انظر : مقالات الإسلاميين للأشعرى ( 1 / 216 ) ] .
( 2 ) في معنى الآية قال ابن كثير في تفسيره ( 4 / 93 ) : أي استجيبا لأمرى وانفعلا لفعلى طائعين أو مكرهتين ، قال الثوري عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى :فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً، قال : قال اللّه تبارك وتعالى للسماوات اطلعي شمسي وقمري ونجومي ، وقال للأرض شققى أنهارك وأخرجي ثمارك :قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ.