تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الوجود — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
صفاته النور ، وهو منور النور « 1 » ، وبالنور يظهر كل مستور ؛ فكيف يمكن اختفاء النور ؟ وإنما خفى على المحجوبين عنه بعين ما ظهر للمشاهدين له لشدة ظهروه وإفراط إشراق نوره ، وإنما المحجوبين هم المغيبون عنه بذنوبهم التي رانت على قلوبهم فأغشت أبصارهم ، ولولا ذلك لشاهدت بارئها ، فإنه تعالى بالإجماع يرى في الآخرة « 2 » . وقد قال في حق بعض الخلق :
كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ
( المطففين 14 - 15 ) . ولم يقل ربهم محتجب « 3 » عنهم ، بل يحجبهم عنه ذنوبهم ، ومثال المحجوب مثال الخفاش مع الشمس المشرقة عن الآفاق ، وهو لضعف بصره لا يراها ، وكذلك ما ليس فيه صفاء واستعداد لقبول إشراقها من كل كثيف مظلم في ذاته : كالحجر ، والمدر ، والجدران ، لا ينير ولا يؤثر فيه الإشراق ، ولا ينتفع بإشراقها عليه ، والعلة فيه لا في الشمس ، لا ظلام ذاته ،
هامش
( 1 ) النور هو الحق ، ويسمى نور الأنوار ؛ لأن جميع الأنوار منه ، والنور المحيط لإحاطته بالوجود كله ، ولكمال إشراقه ونفوذه في كل الموجودات للطفه ، والنور القيوم لقيام الجميع به ، والنور المقدس ؛ أي المنزه عن جميع صفات النقص ، والنور الأعظم الأعلى ؛ إذ لا أعظم ولا أعلى منه ، ونور النهار ؛ لأنه يستر جميع الأنوار كالشمس تستر جميع الكواكب ، وقد يطلق النور على كل ما يكشف المستور من العلوم اللدنية والواردات الإلهية التي تطرد الكون عن القلب . [ المعجم الصوفي ( 248 ) ] . ( 2 ) أخرجه مسلم في صحيحه [ 297 - ( 181 ) ] ، كتاب الإيمان ، 80 - باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى ، عن صهيب عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وفي آخره : « قال : فيكشف الحجاب ، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجلّ » . ( 3 ) قال النووي في شرح مسلم ( 3 / 14 ) ، طبعة دار الكتب العلمية ] : اعلم أن مذهب أهل السنة بأجمعهم أن رؤية اللّه تعالى ممكنة غير مستحيلة عقلا ، وأجمعوا أيضا على وقوعها في الآخرة ، وأن المؤمنين يرون اللّه تعالى دون الكافرين ، وزعمت طائفة من أهل البدع المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة أن اللّه تعالى لا يراه أحد من خلقه وأن رؤيته مستحيلة عقلا ، وهذا الذي قالوه خطأ صريح وجهل قبيح ، وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة فمن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية اللّه تعالى في الآخرة للمؤمنين .
كتاب الوجود — صفحة 299 | عبد الغني ابن إسماعيل النابلسي / سيد يوسف احمد