وروى الترمذي « 1 » هذا الحديث أيضا عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه قال : « كنا مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في غزاة ، فلما قفلنا ، أشرفنا على المدينة ، فكبر الناس تكبيرة ورفعوا بها أصواتهم ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن ربكم ليس بأصم ولا غائب ، هو بينكم وبين رؤوس رحالكم « 2 » » انتهى .
ومعنى ذلك أن الوجود الحق المطلق بالإطلاق الحقيقي من حيث اعتبارات صفاته وأسمائه الأزلية حاضر ؛ حيث كل شيء حاضر ، وليس بغائب عن شيء أصلا ، والشيء صادر عنه مثل الكتابة متوجها عليها ، ولا حروف في نفس الأمر ، وإنما الكاتب والكتابة التي هي صفته موجودات لا غير كما قال اللّه تعالى :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
( القصص : 88 ) ؛ أي : ذاته المتصفة بالمواجهة الشيء الهالك .
وقال تعالى :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ
( البقرة : 115 ) ؛ أي :
ذاته المتوجهة على الأشياء الهالكة الفانية الزائلة ، وإلى ذلك الإشارة بقولنا من جملة أبيات أن العوام كلها بظهورها والاختفاء في سرعة وتقلب مثل الكتابة في الهواء .
وذكر العارف البلاسى الصوفي - رحمه اللّه تعالى - في كتابه المصنف في حقيقة التوحيد قال : فإن اعترض معترض وقال : أنتم زعمتم بأن اللّه عز وجلّ ظاهر بذاته ، تستحيل غيبته كما يستحيل عدمه ، ونحن الآن لا نرى ولا نشاهد شيئا ؛ فكيف هذا ؟ قلنا أن الباري تعالى ظاهرا أبدا ، موجودا سرمدا ، لا يحجبه شيء لعظمة كبريائه ، فلو حجبه شيء كان أكبر ، وذلك مدفوع عقلا وشرعا ؛ لأن اللّه أكبر من أن يقال : اللّه أكبر من شيء ، ومن بعض
هامش
( 1 ) الترمذي ( 3461 ) ، 49 - كتاب الدعوات ، باب ما جاء في فضل التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد ، عن أبي موسى الأشعري .
( 2 ) تقدم تخريجه .
وقال النووي في شرح مسلم ( 22 / 17 ) ، طبعة دار الكتب العلمية ) : فيه الندب إلى خفض الصوت بالذكر إذا لم تدع حاجة إلى رفعه ؛ فإنه إذا خفضه كان أبلغ في توقيره وتعظيمه ، فإن دعت حاجة إلى الرفع رفع كما جاء به أحاديث ، وقوله : « والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم » هو بمعنى ما سبق ، وحاصله أنه مجاز كقوله تعالى :وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ؛ والمراد تحقيق سماع الدعاء .