يعقوب « 1 » ، ولكن الكتاب يقع في يد أهله وغير أهله ، كالغريب الذي لا يعرف في البلد البعيد ، يراه العالم بعين علمه ، والجاهل بعين جهله ، وأسبل اللّه تعالى أن يخرسه ممن غلب عليه تخيل ربه ، وتصور قربه ، حتى اعتقد أنه عز وجلّ أمر معقول متنزه عن كل ما سواه من تخيلات العقول ، وأنكر تجلياته سبحانه في المعقولات كلها والمحسوسات ، وبعدت عليه الشقة لعمى البصيرة والأفكار المطموسات ، فإنما أنطقنا به اللّه الذي أنطق كل شيء ، وله في الأرض من كل شيء موزون .
وقد قال تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
( الحجر : 9 ) « 2 » .
وكأني بالواحد من الطائفة الخيالية لا يعترف بقدر الوجود ، ولا يراه كبير أمر لعدم المعرفة والشهود ، فربما يقول من عدم احترامه ، ودوام افتتاح بصيرته وبصره فيه طول عمره وأيامه ما ذا يبلغ قدر الوجود حتى يكون هو اللّه الحق المعبود ، وهو الغافل عنه ، المحروم المغبون « 3 » من قبيل قوله تعالى :
وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
( الأعراف : 198 ) « 4 » .
هامش
( 1 ) يشير إلى قوله تعالى سورة يوسف :اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ( يوسف : 93 ) ، وفي قوله تعالى :فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ( يوسف : 96 ) .
( 2 ) قرر سبحانه وتعالى أنه هو الذي أنزل عليه الذكر ؛ وهو القرآن ، وهو الحافظ له من التغيير والتبديل .
ومنهممن أعاد الضمير في قوله تعالى :لَهُ لَحافِظُونَعلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، كقوله :وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، والمعنى الأول أولى ؛ وهو ظاهر السياق . [ تفسير ابن كثير ( 2 / 563 ) ] .
( 3 ) المغبون : غبنه في البيع غبنا : غلبه ونقصه .
( 4 ) وقوله :يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ؛ أي يقابلونك بعيون مصورة كأنها ناظرة وهي جماد ؛ ولهذا عاملهم معاملة من يعقل ؛ لأنها على صور مصورة كالإنسان وتراهم ينظرون إليك فعبر عنها بضمير من يعقل ، وقال السدي : المراد بهذا المشركون ، وروى عن مجاهد نحوه ، والأول أولى ، وهو اختيار ابن جرير ، وقاله قتادة . [ تفسير ابن كثير ( 2 / 282 ) ] .