والظاهر أن السبعين هنا للكثرة لا للعد كما في قوله تعالى :
إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ
( التوبة : 80 ) .
وقوله : « لو كشفها لأحرقت » فيه إشارة إلى أنه يمكن كشفها ، وأن ذلك ليس بإيجاب ذاتي ، وإنما تجلياته سبحانه وتعالى باختياره وإرادته ، فإذا شاء تجلى ، وإذا شاء استتر .
وقال ابن الأثير في النهاية « 1 » : سبحات اللّه : جلاله ، وعظمته ، جمع سبحة ، وقيل :
أضواء وجهه ، وقيل : سبحات الوجه محاسنه ؛ لأنك إذا رأيت الحسن الوجه قلت : سبحان اللّه ! وقيل : معناه تنزيه له ؛ أي : سبحان وجهه .
وقيل : إن سحبات وجهه كلام متعرض بين الفعل والمفعول ؛ أي : لو كشفها لأحرقت كل شيء أدركه بصره « 2 » ، فكأنه قال : لأحرقت سحبات اللّه كل شيء أبصره ، كما نقول : لو دخل الملك البلد لقتل - والعياذ باللّه - كل من فيه » .
وقال الشيخ عبد الرزاق القاشاني :
هامش
عن أبي موسى قال : قام فينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بخمس كلمات فقال : « إن اللّه عز وجلّ لا ينام ، ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار ، وعمل النهار قبل عمل الليل ، حجابه النور ، ( وفي رواية أبى بكر : النار ) ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه » .
( 1 ) قال النووي : السّبحات بضم السين والباء ورفع التاء في آخره ، وهي جمع سبحة ، قال صاحب العين والهروي وجميع الشارحين للحديث من اللغويين والمحدثين : معنى سبحات وجهه : نوره وجلاله وبهاؤه ، وأما الحجاب فأصله في اللغة المنع والستر ، وحقيقة الحجاب إنما للأجسام المحدودة ، واللّه تعالى منزه عن الجسم والحدود ، والمراد هنا المانع من رؤيته ، وسمى ذلك المانع نورا أو نارا ؛ لأنهما يمنعان من الإدراك في العادة لشعاعهما . [ شرح مسلم للنووي ( 3 / 12 ) ، طبعة دار الكتب العلمية ] .
( 2 ) المراد بما انتهى إليه بصره من خلقه جميع المخلوقات ؛ لأن بصره سبحانه وتعالى محيط بجميع الكائنات ، ولفظه « من » لبيان الجنس ، لا للتعين والتقدير لو أزال المانع من رؤيته ؛ وهو الحجاب المسمى نورا أو نارا ، وتجلى لخلقه لأحرق جلاله ذاته جميع مخلوقاته ، واللّه أعلم .
[ شرح مسلم للنووي ( 3 / 13 ) ] .