كتاب وترجمته الأنبياء والمرسلون ، وأما ذاته فلها وصف الغنى عن العالمين كما قال اللّه تعالى :
اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
( آل عمران : 97 ) « 1 » ؛ أي : لا شئ من العالمين صادر عنه ، باعتبار ذاته ؛ لأن ذاته لها الغنى المطلق عن كل شيء ، فلو صدر شيء عنها لكان بطريق التعليل ، كما ذهبت إليه حكماء الفلاسفة من أن ذاته سبحانه علة لوجود الممكنات « 2 » ، وإنما جميع الممكنات صادرة عنه باعتبار صفاته وأسمائه ، وهي اعتبارات معبرة في ذاته لا يبلغها الحد ولا العد .
ولكن الوارد منها في الكتاب والسنة أمور معلومة مفصلة في غير كتابنا هذا من كتب العلماء ، والذات الإلهية متحجبة مع ظهورها ، بحجب الصفات والأسماء ، وهي الحجب الاعتبارية النورانية ، والصفات والأسماء متحجبة أيضا بآثارها الكونية وتقاديرها الإمكانية التي لا يبلغها الحد ولا العد .
ولكن الظاهر منها على حسب الأوقات ما هو مراد اللّه تعالى ، وهي الحجب الظلمانية .
وإلى ذلك يشير الحديث الشريف ؛ وهو قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن للّه سبعين حجابا من نور وظلمة ، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه » « 3 » .
هامش
( 1 ) وفي معنى اسم اللّه « الغنى » : أي الذي لا يحتاج إلى أحد في شيء ، وكل أحد يحتاج إليه ، هذا هو الغنى المطلق ، ولا يشارك فيه غيره .
( 2 ) لا يمكننا الوصول إلى وجود ثان إلا بعد وجود أول ، ولا وجود ثالث إلا بعد وجود ثان ، وهكذا . ولو لم يكن لأجزاء العالم أول لم يكن ثان . . . إلخ .
ولو كان ذلك كذلك ، فإنه لا يكون ثمة عدد ولا معدود ، وهذا يؤدى إلى القول بوجوب وجود أول ضرورة ، وهذا بالإضافة إلى أن الآخر الأول من باب المضاف ، فالآخر آخر للأول ، والأول أول للآخر ، ولو لم يكن آخر ، فاليوم الذي نحن فيه يعد آخرا لكل موجود قبله ؛ إذ ما لم يأت بعد ، لا يعد شيئا ، ولا وقع عليه بعد شيء من الأوصاف ، فله أول ضرورة . [ ابن حزم في الفصل في الملل والنحل ( 1 / 18 - 19 ) ] .
( 3 ) أخرج مسلم في صحيحه [ 293 - ( 179 ) ] كتاب الإيمان ، 79 - باب في قوله عليه السّلام : إن سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه .