تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الوجود — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
وإيمان هذه الطائفة باللّه تعالى وبما يجب الإيمان به لا بالقول فقط ، ولا بالمعنى فقط ، بل بالقول وبالمعنى فقط ، بل بالقول وبالمعنى وبالحس أيضا ، عمدتهم في ذلك الحس الإنسانى والذوق الروحاني والحال الرباني ، فآمنوا باللّه في معرفتهم به ، وشهودهم له ، فكشف لهم نورهم الذي هم القائمون به عند من كل ما غاب عنهم ، فتحققوا به حقيقة كل شئ ، ثم غابوا في شهودهم عن شهود كل شئ . كما قال الشيخ أبو مدين « 1 » الأندلسي رضي اللّه عنه من قصيدة له :
عرفنا بها كل الوجود ولم نزل * إلى أن لها كل المعارف أنكرنا « 2 »
وذكر الشيخ الأكبر رضي اللّه عنه في فصوص الحكم في فصل هود عليه السّلام عند الكلام على حديث : « كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به . . . » إلى آخره ، قال : « فلا قرب أقرب من أن تكون هو ، يتعين أعضاء العبد وقواه ، وليس العبد سوى هذه الأعضاء والقوى ، فهو حق مشهود في خلق متوهم ، فالخلق معقول والحق محسوس « 3 » مشهود عند
هامش
( 1 ) هو من أعيان مشايخ المغرب وصدور المقربين ، وشهرته تغنى عن تعريفه ، واسمه شعيب ، وولده مدين هو المدفون بمصر ، وأما والداه فهو مدفون بتلمسان بأرض المغرب . وأجمعت المشايخ على تعظيمه وإجلاله ، وتأدبوا بين يديه ، وكان ظريفا جميلا متواضعا زاهد ورعا محققا مشتملا على كرم الأخلاق ، ومن كلامه : « ليس للقلب إلا وجهة واحدة ، متى توجه إليها حجب عن غيرها » ، وكان يقول : « الجمع ما أسقط تفرقتك ، ومحا إشارتك ، والوصول استغراق أوصافك ، وتلاشى نعوتك » . [ انظر : الطبقات الكبرى للشعرانى ( 1 / 134 ) ] . ( 2 ) وكان من أقواله : « الإخلاص أن يغيب عنك الخلق في مشاهدة الحق » ، وكان يقول : « من نظر إلى المكونات نظر إرادة وشهوة ، حجب عن العبرة فيها والانتفاع بها » ، وكان يقول : « من عرف أحدا لم يعرف الأحد ، والحق ما بان عنه أحد ؛ حيث العلم والقدرة ، ولا اتصل به أحد من حيث الذات والصفات » ، وكان يقول : « الحق لا يراه أحد إلا مات ، فمن يمت لم ير الحق » . [ انظر : المرجع السابق ( 1 / 134 ) ] . ( 3 ) إذا كان الفلاسفة يرون امتناع حدوث الحوادث بلا سبب حادث ؛ أي يمتنع تقدير ذات معطلة عن العقل ، لم تفعل ثم فعلت ، فإن المتكلمين يقولون : إن هذا لا يدل على قدم شيء بعينه من العالم ، لا الأفلاك ولا غيرها ؛ وإنما يدل على أنه لم يزل فعالا ، وإذا قدر أنه فعال -