المؤمنين وأهل الكشف والوجود ، وما عدا هذين الصنفين ، فالحق عندهم معقول والحق مشهود ، فهم بمنزلة الماء المالح ، والطائفة الأولى بمنزلة الماء العذب الفرات ، السائغ لشاربه ، فالناس على قسمين : من الناس من يمشى على طريق يعرفها ويعرف غايتها ، فهي في حقه صراط مستقيم ، ومن الناس من يمشى على طريق يجهلها ولا يعرف غائبها ، وهي عين الطريقة التي عرفها الصنف الآخر . فالعارف « 1 » يدعو اللّه على بصيرة ، وغير العارف يدعو على التقليد والجهالة » « 2 » .
[ ورود ذكر الوجود الحق في الكتاب والسنة ]
وصل : اعلم أن الوجود الحق ، الذي تقرر وثبت ، كما ذكرنا له ذات ، وله صفات ، وله أسماء وردت في الكتاب والسنة ، وكلها صادقة عليه ، وهي كثير ، ومرجعها إلى أمر واحد هو الوجود الحق ، ولا يجوز أن تكون متعددة فيه بوجه من الوجود أصلا ؛ لئلا يلزم تركيبه منها ، وينبغي التوحيد الذاتي ، وإنما هي كلها مراتب له معتبرة فيه منه ، نزل لها كلامه القديم ، وترجمت عنها أنبياؤه ورسله لأممهم ، فوجب قبولها على حد ما نزل به
هامش
لأفعال تقوم بنفسه ، أو مفعولات حادثة شيئا بعد شيء ، كان ذلك وفاء بموجب هذه الحجة ، مع القول بأن كل ما سوى اللّه محدث مخلوق ، كائن بعد أن لم يكن . [ منهاج السنة النبوية لابن تيمية : 1 / 36 ) ] .
( 1 ) قال ابن عطاء اللّه في لطائف المنن ( 142 ) : ذكر بعض العلماء العارفين : وقعت زلزلة بالمدينة زمن خلافة عمر رضي اللّه عنه ، قال عمر : ما هذا ؟ ما أسرع ما أحدثتم ! واللّه لئن عادت لأخرجن من بين أظهركم ، فانظر - رحمك اللّه - هذه البصيرة التامة ؛ كيف أشهدته أن الزلزلة إنما هي من حدث كان ، وأن الحدث منهم ، وأنه بريء منه ؛ فهل هذا إلا من نور البصيرة الكاملة التي وهبها عمر رضي اللّه عنه ؟ ! .
( 2 ) قال الشوكاني في معرض هجومه على من نادى بالتقليد : فإنكم قد قلتم ليس للناس إلا التقليد ، ولا سبيل لهم إلى غيره ، وإن الاجتهاد قد انسد بابه ، وبطلت دعوى من يدعيه ، وامتنع فضل اللّه على عباده ، وانقطعت حجته .
وهذا مع كونه من الإفك المبين ؛ أليس قد اختلفت فيه أنظار هؤلاء المقلدة اختلافا كثيرا ، فقالت طائفة : ليس لأحد أن يجتهد بعد أبي حنيفة ، وأبى يوسف ، وزفر بن الهزيل ، ومحمد بن الحسن الشيباني ، والحسن بن زياد اللؤلؤي ، وإلى هذا ذهب غالب المقلدة من الحنفية ، فقال بكر بن العلاء القشيري المالكي : ليس لأحد أن يجتهد بعد المائتين من الهجرة . [ قطر الولي على حديث الولي ( 164 ) ، من تحقيقنا ، طبعة دار الكتب العلمية ] .