فقال صلى اللّه عليه وسلم وسلم : « لكل حق حقيقة ؛ فما حقيقة إيمانك ؟ » .
قال : « عزفت « 1 » نفسي عن الدنيا ، فاستوى عندي ذهبها ومدرها ، وكأني انظر إلى أهل الجنة في الجنة يتنعمون ، وإلى أهل النار في النار يعذبون ، وكأني أرى عرش ربى بارزا ، من أجل ذلك أسهرت ليلى ، وأظمأت نهارى » .
فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « يا حارثة ، عرفت فالزم » .
ثم قال صلى اللّه عليه وسلم « 2 » : « عبد نور اللّه قلبه بنور الإيمان » انتهى .
وروى الترمذي « 3 » بإسناده عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اتقوا فراسة المؤمن ، فإنه ينظر بنور اللّه » .
هامش
كل آن قريب يوجب لك شهود قرب ذلك ، فيورثك ذلك الزهد في الدنيا ؛ ولأن نور الإيمان يكشف لك عن إعزاز الحق لك ، فتأنف همتك من الإقبال على الدنيا ، والتطلع إليها ، مع أن الحقيقة تقتص أن الزاهد في الدنيا مثبت لها ، فإنه شهد لها بالوجود ؛ إذ أثبتها مزهودا فيها ، وإذا شهد لها بالوجود فقد عظمها ؛ وهو معنى قول الشيخ أبى الحسن الشاذلي : واللّه لقد عظمتها ؛ إذ زهدت فيها . [ الطائف المنن ( 144 ) ] .
( 1 ) أي أعرضت كارهة .
وقد ساق ابن عطاء اللّه السكندرى في لطائف المنن ( 141 ) عشر فوائد من هذا الحديث .
( 2 ) قال ابن عطاء اللّه في لطائف المنن ( 141 ) : من فوائد الحديث فقال : انظر إلى قوة نور حارثة في قوله : أصبحت مؤمنا حقّا ، فلو لا أنه منور بنور البصيرة الموجبة لمحض اليقين والتحقيق بالسنة ما أخبر بذلك وأبداه أثبت لنفسه حقيقة الإيمان بين يدي صاحب المحو والإثبات ، وإنما أبدى ذلك حارثة ؛ لأنه علم أن طواعية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واجبة ، والرسول قد استخبره عن حاله ، فلم يسعه التكلم ، وأبدى ما علم أن اللّه تفضل به عليه ببركات متابعة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليفرح له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمنة اللّه ، فيشكر اللّه عنه ، ويسأله تثبيت ما أعطاه .
( 3 ) أخرجه الترمذي ( 3127 ) ، 48 - كتاب التفسير ، باب من سورة الحجر ، عن أبي سعيد الخدري ، ولفظه : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : اتقوا فراسة المؤمن ، فإنه ينظر بنور اللّه ، ثم قرأ :إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ، قال أبو عيسى : هذا حديث غريب ؛ إنما نعرفه من هذا الوجه ، وقد روى عن بعض أهل العلم وتفسيره هذا الآية :إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ، قال :
للمتفرسين .