فكما أن السببين ؛ أي ذاته وعلمه تعالى به ، شئ واحد بالذات من غيرها تغاير يقتضى كون أحدهما متباينا للأول ، والثاني متقررا فيه .
فكما أن التغاير في السببين اعتباري كذلك في الأثرين ، فإذا وجود الصادر الأول هو نفس علمه تعالى به من غير افتقار إلى صورة مستأنفة تحل ذات الأول تعالى عن ذلك ، ثم لما كانت الجواهر العقلية تعقل ما ليس بمعلولات لها بحصول صورة التي فيها ؛ وذلك لأن ما ليس بمعلوم لها حصوله إنما هو بحلوله فيها وحلول صورته التي بها هو هو فيها ممتنع ؛ لأن ما ليس بمعلول لها إما جوهر أو عرض ، وكل منهما يمتنع حلوله فيها لامتناع حول الجوهر في المحل ، وامتناع انتقال العرض ، فتعين أن يكون حصوله لها بحلول صورته فيها ، ولما كانت الجواهر في المحل ، وامتناع انتقال العرض ، فتعين أن يكون حصوله لها بحلول صورته فيها ولما كانت الجواهر العقلية « 1 » تعقل الأول الواجب تعالى ، ولا موجود إلا هو ، وهو أثر للأول تعالى كان جميع صور الموجودات الكلية والجزئية على ما عليه الوجود حاصلة فيها ، والأول تعالى عالم بتلك الوجود ، حاصلة فيها ، والأول تعالى عالم بتلك الجواهر مع تلك الصور لا بصورة غيرها ، بل باعتبار تلك الجواهر والصور ، وكذلك الوجود على ما هو عليه بجملته وتفاصيله ، فوجود أعيان الموجودات علمه تعالى ، وكذلك وجود صور الأعيان الحالة في الجواهر العقلية علمه تعالى ، وكذلك وجودها الحالة في النفوس المجردة السماوية ، وكذلك وجود الصور الجزئية الفلكية ، بل يكون الوجود بأسره العيني والذهني والجسماني وغيره علمه تعالى .
قال اللّه تعالى :
وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً
( الطلاق : 12 ) .
وقال تعالى :
وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا
هامش
( 1 ) إن وجود الممكنات في رأى ابن عربى هو عين وجود اللّه وليس تعدد الموجودات وكثرتها إلا وليد الحواس الظاهرة ، العقل الإنسانى القاصر هو الذي يعجز عن إدراك الوحدة الذاتية للأشياء فالحقيقة الوجودية واحدة في جوهرها وذاتها متكاثرة بصفاته وأسمائها لا تعدد فيها إلا بالاعتبارات والنسب والإضافات ، إذا نظرت إليها من حيث ذاتها قلت هي الحق ، وإذا نظرت إليها من حيث صفاتها قلت هي الخلق . [ مقدمة فصوص الحكم ( 24 ) ] .