فإن من جهل شيئا عاداه ، والناقص لعدم الفضل لعجزه عن بلوغ فضلتهم ، يريد ردهم إلى درجة نقصه لعزته بنفسه » . انتهى واللّه بصير بالعباد .
وصل : اعلم بأن اللّه تعالى من حيث هو لا تدركه العقول والأفكار ، ولا تتصوره النفوس ، ولا تحصره البصائر والأبصار ؛ لأنه سبحانه هو الوجود المحض ، والوجود المحض لا يمكن إدراكه بوجه من الوجوه أصلا .
وإنما الإدراك يقع على الصور المحسوسة والمعقولة التي هو يصورها ويتجلى بها للحس والعقل ، كما أن الحس والعقل « 1 » من بعض صوره سبحانه التي تجلى بها وظهر ، ولو أجهد الإنسان كل الجهد أن يدرك الوجود ما أدركه ، وإنما يقع إدراكه على ما تصوره في خياله « 2 » .
وقال : « إنه الوجود ، وإنما هو صورة من صور الوجود ، فلو تصور أن الأشياء تجرد عن الوجود ، فإن ذلك الوجود الذي تصوره وحرره عن ذلك الشيء صورة أيضا » .
وهكذا فالعاقل لا يطمع في تحصيل العلم بالوجود الحق سبحانه ؛ ولهذا نقل عن أبي القاسم الجنيد رضي اللّه عنه أنه كان يقول : « واللّه واللّه ما أعرف اللّه إلا اللّه » .
وذكر المحقق الأصفهاني في شرح طوالع البيضاوي أن مذهب الحكماء والغزالي أن الطاقة البشرية لا تفي بمعرفة ذاته تعالى ؛ ولذلك لما سأل فرعون موسى عليه السّلام عن
هامش
( 1 ) يقول ابن سينا : إن الحيوانات ناطقها وغير ناطقها تدرك في المحسوسات الجزئية معاني جزئية غير محسوسة ولا متأدية من طريق الحواس ، مثل إدراك الشاة معنى في الذئب غير المحسوس إدراكا جزئيّا يحكم به كما يحكم الحس بما يشاهده . [ ابن سينا في الإشارات والتنبيهات ( 354 ) ] .
( 2 ) الإدراك في اصطلاح الصوفية نوعان : إدراك بسيط وهو إدراك وجود الحق سبحانه مع الذهول عن هذا الإدراك وعن أن المدرك هو الوجود الحق ، وإدراك مركب ، عبارة عن إدراك الحق سبحانه مع الوعي بهذا الإدراك وأن المدرك هو الوجود الحق سبحانه . [ المعجم الصوفي ( 18 ) ] .