تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الوجود — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
وبأحكامه ، وفي علمه بجميع ما صدر عنه تعالى من الأشياء كلها الكليات والجزئيات بواسطة صفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه . وقد صرح بأن علمه تعالى عين ذاته في نفس الأمر ، وإنما هو غير ذاته بالاعتبار المحض من حيث نظر العقل ، وكذلك باقي الأسماء والصفات وذاته تعالى هي الوجود الصرف « 1 » . وكل ما عداها مراتب لها اعتبارات فيها وإضافات إليها ، فلا وجود إلا الوجود الحق المطلق الحقيقي ، وما سواه عدم محض قائم بالوجود المذكور متعين به ثابت بإثباته ، وليس فيه من الوجود ولا رائحة الوجود أصلا . وإنما الوجود الحق المذكور هو المتجلى بجميع ذلك لنفسه بنفسه في نفسه . وهذا هو مشهد الكاملين المحققين من أهل اللّه تعالى من حيث هم كاملون محققون في المعرفة الإلهية ، وأما من حيث هم عقلاء ، لهم عقول يعقلون بها ، ولهم حواس يدركون بها ، فهم يشهدون ما تشهد العقلاء من الغافلين الجاهلين « 2 » ، فيعرفون ما يعرف غيرهم ، ولا يعرف غيرهم ما يعرفون ؛ ولهذا قال ابن المعتز - رحمه اللّه تعالى - : « العالم يعرف الجاهل ؛ لأنه جاهلا ، والجاهل لا يعرف العالم ؛ لأنه لم يكن عالما ؛ ولذلك انصرف الجهال عن العلم وأهله انصراف الزاهدين ، وانحرفوا عنه وعنهم انحراف المعاندين .
هامش
( 1 ) قال في شرح الجرجاني على المواقف للإيجى ( 8 / 75 - 76 ) : إن اللّه عالم بجميع الحوادث الجزئية وأزمنتها الواقعة هي فيها لا من حيث إن بعضها واقع الآن وبعضها وقع في الماضي وبعضها سيقع في المستقبل ؛ إذ إن العلم بها من هذه الجهة يتغير ، بل يعلمها علما متعاليا عن الدخول تحت الأزمنة ثابتا أبد الدهر ، فالموجودات منذ الأزل إلى الأبد معلومة له كل في وقته وليس في علمه كان وكائن وسيكون ، أي ماض وحاضر ومستقبل ، بل الموجودات حاضرة عنده في أوقاتها ، فهو عالم بخصوصيات الجزئيات وأحكامها . ( 2 ) يقول الغزالي في تهافت الفلاسفة ( 168 ) : لم يتخلص الفلاسفة من الكثرة ، فإنا نقول : علمه بذاته عين ذاته ؟ فإن قالوا : إنه غير ذاته ، فما الفصل بينهم وبين القائل بأن علم الإنسان بذاته عين ذاته ، وهذه حماقة ؛ إذ لا يعقل وجود ذاته في حالة هو فيها غافل عن ذاته ، ثم تزول غفلته ، ويتنبه لذاته فيكون شعوره بذاته غير ذاته لا محالة .