تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الوجود — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
وبتلك الصورة فقط « 1 » ، وإذا كان حالك مع ما يصدر عنك بمشاركة غيرك هذه الحالة ؛ فما ظنك بحال العالم مع ما يصدر عنه لذاته من غير مداخلة غيره فيه ، ولا تظن أن كونك محلا لتلك الصورة شرط في عملك بتلك الصورة ، بل حصولها لك شرط في عملك الصورة ، بل حصولها لك شرط في عملك بتلك الصورة ، وكونك محلا لتلك الصورة هو شرط في عملك لها ، فإن حصلت تلك الصورة لك بوجه آخر غير حولها فيك ، حصل العلم من غير حلول فيك ، ومعلوم أن حصول الشيء لفاعله في كونه حصولا لغيره ليس دون حصول الشيء لقابله ، فإذا الآثار الصادرة من الفاعل لذاته حاصلة له من غير أن تحل فيه ، فالفاعل عالم لها من غير حلولها فيه ، وإذا تحقق هذا ، فاعلم أن الحق - تبارك وتعالى - علم بذاته من غير تغاير بين ذاته وبين علمه بذاته بالذات « 2 » . فذاته تعالى وعلمه ليس متغايرين بالذات ، بل التغاير باعتبار ، فالعمل بذاته عين ذاته ، فالعالم والعلم والمعلوم واحد بالذات والتغاير بالاعتبار ، وعلمه بذاته سبب لعلمه بالصادر الأول « 3 » .
هامش
( 1 ) قال في فصوص الحكم ( 48 ) : يبين ابن عربى الحكمة من خلق الخلق فيفسر الحديث القدسي « كنت كنزا مخفيّا لم أعرف فخلقت الخلق فيه عرفوني » بأن الحق تعالى شاء أن يظهر الخلق عامة والإنسان خاصة ليعرف وليرى نفسه في صورة تتجلى فيها صفاته وأسماؤه ، أو بعبارة أخرى شاء الحق أن يرى تعينات أسمائه في مرآة العالم أو الوجود الخارجي فظهر في الوجود ما ظهر على النحو الذي عليه ، وكشف بذلك عن الكنز المخفى الذي هو الذات المطلقة المجردة عن العلاقات والنسب ؛ ولكنه لم يكشف عنه في إطلاقها وتجردها بل في تقييدها وتعيينها . ( 2 ) يفرق المتكلمون بين العلم الإلهى والعلم الإنساني ؛ فعلمه تعالى ليس علما زمانيّا أي واقعا في زمان ، كما يعلم الواحد منا الحوادث التي تقع في أزمنة متعينة فما حدث من هذه الحوادث في ذلك الزمان كان حاضرا عند الواحد منا ، وما حدث قبله أو بعده كان ماضيا أو مستقبلا أما علم اللّه فلا يختص بزمان معين ، وإذا كان علمه تعالى لا يختص بزمان معين فإنه بالتالي لا يكون فيه حال حاضر وماضي ومستقبل . [ انظر : شرح الجرجاني على المواقف للإيجى ( 8 / 75 ) ] . ( 3 ) يكون اللّه عالما بجميع الحوادث الجزئية وأزمنتها الواقعة هي فيها لا من حيث أن بعضها واقع الآن وبعضها وقع في الماضي وبعضها سيقع في المستقبل ؛ إذ إن العلم بها من هذه الجهة يتغير ، بل يعلمها علما متعاليا عن الدخول تحت الأزمنة ثابتا أبد الدهر ، فالموجودات منذ الأزل إلى الأبد معلومة له كل في وقته ، وليس في علمه كان وكائن وسيكون ، أي ماضي وحاضر ومستقبل ، بل الموجودات حاضرة عنده في أوقاتها ، فهو عالم بخصوصيات الجزئيات وأحكامها . [ المرجع السابق ( 8 / 75 - 76 ) ] .
كتاب الوجود — صفحة 271 | عبد الغني ابن إسماعيل النابلسي / سيد يوسف احمد