ولا شيء معه ، وأنه لا وجود للممكنات في تلك المرتبة ؛ أي مرتبة الوجود الخارج إلا في الحضرة العلمية لا غير .
ثم قال بعد ذلك أيضا : إن الأشياء لا وجود لها في غير العلم القديم ، وأن وجودها في غير العلم القديم إلى شعورها بما هي عليه في علم بارئها على التتالى إلى غيرها دنيا وآخرة ، وعلى هذا فما حدث إلا الشعور لا غير .
وأما ماهيات الممكنات فما حدثت أصلا ؛ لأنها قديمة في العلم ، وما شمت رائحة من الوجود الخارجي أصلا ، ثم بسط الكلام في هذا المقام ، وقال الشيخ رضى الدين الغزي في ألفية التصوف التي سماها الدر اللوامع : والعارف « 1 » الذي له قد انكشف سر الوجود فانمحى فيما عرف .
وذكر ابنه الإمام المحدث الشيخ نجم الدين الغزي في شرحه لألفية جده المسمى منبر التوحيد ، وانكشف له ففني « 2 » في معروفه فهو عارف ، فإنه متحقق بحقيقة كان اللّه ولا شيء معه ، وهو الآن على ما هو عليه كان ؛ أي فلا شيء معه ؛ لأن الأشياء كلها وجودها به ، فلا شيء معه ، وكيف يثبت ما لا شيء مع من ليس كمثله شيء إلا بمجرد النسب والإضافات ، فمن تلاشت فيه الإضافات والنسب ونظر إلى وجود اللّه فقط فقد عرف الحق لأهله فهو العارف ، ومن هنا قول عائشة - رضى اللّه عنها - حين نزلت
هامش
( 1 ) العارف من أشهده الرب عليه ، فظهرت الأحوال عن نفسه ، والمعرفة حاله ، وعلامة العارف ثلاثة : أن لا يطفئ نور معرفته ، ولا يعتقد باطنا من العلم ينقض عليه ظاهرا من الحكم ، ولا تحمله كثرة نعم اللّه وكراماته عليه على هتك أستار محارم اللّه .
وأولى الدرجات التي يرقاها العارف هي التحير ، ثم الافتقار ، ثم الاتصال ، ثم التحير ، والحيرة الأولى في أفعاله ونعمه عنده ، فلا يرى شكره يوازى نعمه ، والحيرة الأخيرة أن يتحير في متاهات التوحيد فيضل فهمه في عظم قدرة اللّه وهيبته وجلاله . [ المعجم الصوفي ( 165 ) ] .
( 2 ) قال الشيخ أبو العباس المرسي : إن للّه عبادا محو أفعالهم بأفعاله وأوصافهم بأوصافه وذواتهم بذواته ، وحملهم من أسراره ما يعجز عامة الأولياء عن سماعه ، وهم الذين غرقوا في بحر الذات وتيار الصفات ، فهي إذا فناءات ثلاث : أن يفنيك عن أفعالك بأفعاله ، وعن أوصافك بأوصافه ، وعن ذاتك بذاته . [ لطائف المنن ( 45 ) ، طبعة دار المعارف ] .