تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الوجود — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
لهذا مبدأ أول إلا هو ؛ إذ ليس بعده إلا العدم ، والعدم لا يكون مبدأ سيما لموجود . وإذا قد تبين لك أمر الوجود هذا ، فإنك تعلم أنك إذا نظرت إلى أي موجود نظرت إليه من حيث هو وجدته ذاتا « 1 » . وقد تبين أن لا ذات إلا الوجود فظهر أن الوجود بالحقيقة هو الموجود والموجود هو الوجود ليس إلا ، فإن قلت : فمن أين جاء العزم ، وإلى أين ؟ قلت : جاء من الوجود إلى نفسه ، فإن قلت : كيف يتأتى هذا ؟ قلت : يتأتى بأن يقدر نفسه مراتب على طريقة التجريد البياني المذكور في علم المعاني والبيان ، وأنت تعلم أن لك أن تجرد من نفسك لنفسك في نفسك كل صورة وتكون تلك الصور كلها في خيالك وتعامل نفسك من حيثية كل منها معاملة خاصية ، وتصور نفسك ناسيا لأنك جردت ، وناسيا أيضا لذلك النسيان ومتحققا بتلك الكثرة « 2 » ، وتكون كذلك من تلك الحيثيات . وما هذا ونحوه إلا عين فعل الوجود الذي أنت لا مثاله ، وما تلك الأمور كلها بالحقيقة إلا أنت بلا زيادة ، فما ثم على كثرة الموجودات إلا الوجود بلا زيادة حقيقية ، فإن قلت : فما مبدأ هذا التقرير من الوجود ؟ قلنا : مبدأه اقتضائه لذاته أن يقتضى . وما ثم إلا هو ، فيقضى بنفسه لنفسه وعليها على طريق التجريد كما مر ، قضايا لا انتهاء لها للزوم القضايا للاقتضاء الذاتي ، وتلك التقديرات
هامش
( 1 ) الواجب أن نفرق دائما بين اللّه والإنسان والعالم ؛ إذ ليس معنى الخلق على الصورة ، وهو أن نسوى بين اللّه والإنسان ؛ لأننا إذا قلنا أن ( أ ) هي ( ب ) ، و ( ب ) هي ( ج ) ، فليس معنى ذلك أن نسوى تماما بين كل من ( أ ) ، ( ب ) ، ( ج ) فإن العلاقة بين هذه الثلاثة ليست علاقة مساواة ، ونحن نميز فعلا ( أ ) عن كل من ( ب ) ، و ( ج ) ، كذلك الحق حق والإنسان إنسان والعالم عالم . [ الفتوحات المكية لمحيى الدين بن عربى ( 288 ) ] . ( 2 ) يستحسن ألا نفهم موقف ابن عربى على أنه نظرية فلسفية قامت على دعائم منطقية ومقدمات فكرية ؛ فهو وإن كان قد جعل الكثرة معقولة مشهودة وغير موجودة ، فهذا الإرجاع ليس تعملا فكريّا كما يظن البعض ، ونقول ردّا على من جعل وحدة ابن عربى الوجودية نظرية فلسفية تقررت باستدلال نظري : إن الواقع عكس ذلك ؛ لأن النظر الفكري كما يقول شيخنا الأكبر يعطى وجود المخلوقات التي من شأنها إن لم تكثر الوجود فعلى الأقل تحدده بثنائية كلامية كلاسيكية حق خلق . [ التصوف الفلسفي الإسلامي ( 51 ) ] .
كتاب الوجود — صفحة 265 | عبد الغني ابن إسماعيل النابلسي / سيد يوسف احمد