تنزيلات الوجود منزلة ما ليس بموجود في المعاملة ، وتسمى هذه موجودات « 1 » وبالضرورة يكون هذا التقدير أولا في الوجود أزلا موجود ، ثم وهذا هو الخلق الأول .
وتسمى هذه الموجودات مراتب قدم وأزل وإيجاب وصفات ومعاني وحقائق كذلك ، وبعد هذا تكون هذه الأمور التي هي لا وجودات وجودات فيقدر ما تسمى ذاتا وماهيات وتعينات وأينيات ونحوه .
ويقدر فيها مراتبها اللاحقة ، وذلك هو الخلق الثاني كما جاء في قوله تعالى :
أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ
« 2 » . فالأول تنزيل الوجود منزلة ما ليس بموجود ، والثاني تنزيل ما ليس بموجود منزلة الوجود ، فانظر هذا النمط ما أعجبه وأغربه وأطال في ذلك ، ثم قال : وقد فتحنا لك باب التحقيق فإن كنت من أهله فتقدم وإلا فلا ، فافهم .
هامش
( 1 ) لا يوصف اللّه بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم ، ولا يوصف بأنه متناه ، ولا يوصف بمساحة ولا ذهاب في الجهات ، وليس بمحدود ولا والد ولا مولود ولا تحيط به الأقدار ولا تحجبه الأستار ، ولا تدركه الحواس ، ولا يقاس بالناس ، ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ، ولا تجرى عليه الآفات ، ولا تحل به العاهات ، وكل ما يخطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له .
واللّه منزه عن الافتقار إلى الغير ؛ فاللّه واحد تام ، وذاته ليس فيها كثر بوجه من الوجوه .
( 2 ) قال في المعجم الصوفي ( 258 ) : يتحلل ابن الفارض من فكرة الحلول أو الاتحاد بالكلية صراحة ويقول :وحاشا لمثلى إنها في حلت * متى حلت عن قولي أنا هي أو أقلبصورته في بدء وحى النبوة * وها دحية وافى الأمين نبينالمهدى الهدى في هيئة بشرية * أجبريل قل لي كان دحية إذ بداتنزه عن رأى الحلول عقيدتي * ولى من أتم الرؤيتين إشارةولم أعد عن حكمي كتاب وسنة * وفي الذكر ذكر اللبس ليس بمنكرواللبس الذي يذكره ابن الفارض هو ظهور الحق في صور أعيان الممكنات على نحو ما ظهر جبريل للنبي في صورة دحية الكلبي ؛ ولكنه يحذر سامعيه من أن يخلطوا اللبس بالمعنى الذي يغلط به القائلون بمذهب الحلول أو وحدة الوجود .