والتجلي « 1 » حق على كل حال مع التنزيه التام لذي الجلال ، فإنه سبحانه إذا تجلى لشيء أفناه ؛ وذلك لإزالة الإضافة ، فمتى تجلى كشف أنه هو لا سواه ، والغافل الجاهل يظن أن ربه في السماء .
واللّه در القائل ؛ وهو من كلام الحلاج « 2 » - رحمه اللّه تعالى :
وأي الأرض تخلو منك حتى * تعالوا يطلبونك في السماء
تراهم ينظرون إليك جهرا * وهم لا يبصرون من العماء
وهم لا يعرفون أنفسهم من التصوير له ضرورة حكمهم عليه ، فإن الحكم فرع التصور ، وربما يعرفون أنهم مصورون له أيضا لضرورة الحكم عليه كما ذكرنا ، ولكنهم يعتذرون عن ذلك بأنه ليس تصور إله من كل وجه ، ولا هو تصور بكنه الحقيقة ، وإنما هو تصور له بوجه ما ، كما رأيت ذلك في كتبهم .
هامش
( 1 ) التجلي عبارة ظهور ذات اللّه وصفاته ؛ وهذا هو التجلي الرباني ، وتجلى الروح أيضا ، وقيل :
التجلي إشراق أنوار إقبال الحق على قلوب المقبلين ، وقيل : ما ينكشف للقلوب من أنوار الغيوب ؛ وهو على ثلاثة أحوال : تجلى الذات ، وتجلى صفات الذات ، وتجلى حكم الذات .
والأول : هو المكاشفة أو كشوف القلب في الدنيا ، كقول عبد اللّه بن عمر : « كنا نتراءى اللّه في ذلك المكان ؛ يعنى في الطواف » ، وفي الحديث : « اعبد اللّه كأنك تراه . . . » .
والثاني : هو موضوع النور ؛ وهو أن تتجلى له قدرته عليه ، فلا يخاف غيره ، وكفايته له فلا يرجو سواه . والثالث : يكون في الآخرة ؛ فريق في الجنة ، وفريق في السعير . [ المعجم الصوفي ( 48 ) ] .
( 2 ) الحلاج هو أبو مغيث الحسين بن منصور الحلاج ؛ وهو من أهل بيضاء فارس ، ونشأ بواسط العراق ، صحب الجنيد والثوري وعمرو بن عثمان المكي والقوطى وغيرهم - رحمهم اللّه جميعا - والمشايخ في أمره مختلفون ، رده أكثر المشايخ ونفوه ، وأبوا أن يكون له قدم في التصوف ، وقبله بعضهم ، منهم : أبو العباس بن عطاء ، ومحمد بن حنيف ، وأبو القاسم النصرآباذي ، وأثنوا عليه وصححوا حاله ، وأشار القشيري إلى تزكيته ؛ حيث ذكر عقيدته مع عقائد أهل السنة .
وتوفى الحلاج سنة تسع وثلاثمائة . [ الطبقات الكبرى للشعراني ( 1 / 92 ) ] .