المقدم لكل شئ كما قال تعالى :
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
( البقرة : 255 ) .
وإن شئت فقل هو المثبت للأشياء في أعيانها كما قال تعالى :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
« 1 » ( النحل : 40 ) .
وإن شئت فقل عنه أنه نور كما قال تعالى :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
( النور : 35 ) .
ومرادنا أن نقول أن جميع الأشياء المحسوسات والمعقولات أمور ثابتة متحققة في نظر العقل ونظر الحس التابع لنظر العقل ، ولا بد لهذه الأشياء المذكورة من حقيقة قائمة عليها متحققة لها في نظر العقل والحس ، مخرجة لها مما كانت فيه من عدمها الذي لم تكن فيه شيئا مذكورا ، ولما لم نجد لفظا يؤدى ذلك على وجه الإيضاح والتقريب إلا لفظ الوجود ، أطلقنا عليه لفظ الوجود لأجل التفهيم والدلالة في التعليم ، فقلنا : إن الوجود هو اللّه تعالى ؛ لأن الاسم اللّه ورد في الشرع ، وكذلك بقية الأسماء « 2 » ، ولكن لما تداولته العقلاء ، وقالوا : إن اللّه تعالى هو الذي أوجد المخلوقات كلها وتراكمت الغفلات على القلوب بالاشتغال عنه تعالى ، جهلت العقلاء وجه إيجاد المخلوقات عنه تعالى ووقعت له المعاني المختلفة والصور « 3 »
هامش
( 1 ) أي أنه تعالى لا يحتاج إلى تأكيد فيما يأمر به ، فإنه تعالى لا يمانع ولا يخالف ؛ لأنه الواحد القهار العظيم ، الذي قهر سلطانه وجبروته وعزته كل شيء ، فلا إله إلا هو ، ولا رب سواه .
وقال أيضا في معناها : أي أن نأمر به مرة واحدة . [ تفسير ابن كثير ( 2 / 587 ) ] .
( 2 ) انظر : حديث : « إن للّه تسعا وتسعين اسما ؛ مائة إلا واحدا ، من أحصاها دخل الجنة » ، وقد أخرجه البخاري ومسلم ، وقد تقدم .
( 3 ) العارف المكمل عند ابن عربى هو من نظر إلى كل معبود على أنه مجلى للحق يعبد فيه ، أنكر ما يعبد من الصور من حيث هي أعيان ، وعبد اللّه في تلك الصور من حيث هي مجال يتجلى فيه المعبود الواحد الحقيقي .
ومن هنا كانت العبادة الباطلة هي أن يقف العبد عند ( مجلى واحد ) ، يقصر عليه عبادته من دون بقية المجالي ، ويتخذ من هذا المجلى معبودا يسميه إلها ، كما أن العبادة الصحيحة هي أن ينظر العبد إلى الصور على أنها مجال لحقيقة ذاتية واحدة ؛ هي حقيقة الإله الواحد . [ التصوف الفلسفي الإسلامي ( 37 ) ، طبعة دار الحديث ) ] .