تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الوجود — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
لا يعرف عددها إلا اللّه عز وجلّ ، وأقل ما يدرك في هذا الطور مدركات لا يحتاج في إدراكها إلى الاستدلال بالمقدمات ، فإن البصير لا يحتاج إلى الاستدلال في إدراك المبصرات ، إنما الأكمه هو الذي لا يتمكن من إدراكها إلا من طريق الاستدلال عليها ، كما لو استدل باللمس على وجود المبصر . وأما ما وراء الوجود من حقيقة الكون الذي للمبصر فليس له إدراكه ؛ لأن طريق الاستدلال في ذلك مسدود العقل ، إنما خلق في الأصل لإدراك « 1 » الأوليات التي لا يحتاج فيها إلى المقدمات ، فأما إدراكه لغوامض النظريات من طريق الاستدلال والاعتبار بالمقدمات فكأنه خارج عن طبعة الأصلي ، وهذا كما أن حاسة اللمس خلقت في الأصل لإدراك الملموسات من حيث أنها ملموسات ، فأما إذا استعملها الأكمه للاستدلال على وجود ما يدرك بالقوة الباصرة ، كان ذلك خارجا على طبعها ، أعنى عن طبع الحاسة اللامسة ، وكذلك الكتابة من خاصية اليد ، فإذا كان الأقطع يكتب برجله كان ذلك خارجا عن طبعها ، فإن القدرة الأزلية لم توجد الرجل للكتابة ، بل لأمور أخر . فاعلم من ذلك أن إدراك المعقولات الغامضة إلى طور وراء العقل يستغنى في إدراكها عن المقدمات . واعلم أن نسب الكثير المطلقة في الإدراك إلى العلم الأزلي « 2 » كنسبة القليل المطلق ، ولا فرق في علم اللّه تعالى بين إدراك الكثير المطلق والقليل المطلق ، ولا يمكن العقل أن يدرك كيفية إحاطة علم الأزل بذلك ، بل إدراكها موقوف على انفتاح عين في باطن الآدمي
هامش
( 1 ) العقل الكل هو العاقلة ؛ أي المدركة كما قلنا ، وقد يستدرج به أهل الشقاوة ، فيقبح عليهم أهويتهم ، فيظفرون على أسرار القدرة : كالطبائع ، والأفلاك ، والنور ، والضياء وأمثالها ، فيذهبون إلى عبادة هذه الأشياء ، فيدركها هؤلاء بالعقل ، فيقولون بأنها هي الفعالة والآلهة . [ المعجم الصوفي ( 177 ) ] . ( 2 ) علم اللّه صفة أزلية ؛ فعلمه سبحانه بنفسه وخلقه علم واحد غير منقسم ولا متعدد ، ولكنه يعلم نفسه بما هو له ، ويعلم خلقه بما هم عليه ، وقيل : علم اللّه سبحانه بذاته نفس ذاته ، فالعالم والمعلوم واحد ، وهو الوجود الخاص ، ويسمى الحق عليما بنسبة العلم إليه مطلقا ، وعالما نسبه معلومية الأشياء إليه ، وعلاما بنسبة العلم ومعلومية الأشياء إليه معا . [ المعجم الصوفي ( 178 ) ] .