التصديق الحقيقي به موقوف على ظهور نور في الباطن « 1 » ينشرح به صدرك وتتسع له حوصلتك ، فتدرك بذلك النور أن اللّه تعالى لا يشبه علم علم الخلائق ، وينقطع عند ذلك طمعك عن الإيمان المستفاد من طريق العلم ، وتحقيق يقينا أنه ما لم يظهر ذلك النور في الباطن « 2 » ، فلا يتصور لأحد أن يؤمن بصفة العلم وسائر الصفات الأزلية حق الإيمان .
وحق الإيمان أن تدع التصرف رأسا في الصفات الأزلية وتدع الطمع في التصرف ، وما لم تصر كذلك فلا تطمع في حقيقة الإيمان ، وهذا النور المشار إليه يظهر في الباطن عند ظهور طور وراء العقل ، ولا تستبعدن وجود ذلك ، فوراء العقل أطوارا كثيرة « 3 »
هامش
( 1 ) يقول أبو العباس المرسى : إن للّه عبادا محو أفعالهم بأفعاله وأوصافهم بأوصافه وذواتهم بذواته ، وحملهم من أسرارهم ما يعجز عامة الأولياء عن سماعه ، وهم الذين غرقوا في بحر الذات وتيار الصفات ، فهي إذا فناءات ثلاث ؛ أن يفنيك عن أفعالك بأفعاله وعن أوصافك بأوصافه ، وعن ذاتك بذاته ؛ ولذا قال قائلهم :وقوم تاهوا في أرض بقفر * وقوم تاهوا في ميدان حبهفأفنوا ثم أفنوا ثم أفنوا * وأبقوا بالبقاء من قرب قربة[ انظر : لطائف المنن لابن عطاء اللّه السكندرى ( 45 ) ، طبعة دار المعارف ] .
( 2 ) العلم الأعلى هو العلم الإلهي ، وعلم الباطن هو علم أعمال الباطن التي هي على الجارحة الباطنة ؛ وهي القلب ، قال اللّه تعالى :وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ( النساء : 83 ) .
والعلم المستنبط هو العلم الباطن وهو علم أهل التصوف ؛ لأن لهم مستنبطات من القرآن والحديث وغير ذلك ، ويسمونه أيضا علم الحقائق وعلم الإشارة وعلم القلوب وعلم المعارف وعلم الأسرار . [ المعجم الصوفي ( 178 ) ] .
( 3 ) الفرق بين العقل الأول والعقل الكل وعقل المعاش : أن العقل الأول : هو أول تفصيل الإجمال الإلهي ، ولذا قال عليه الصلاة والسلام : « إن أول ما خلق اللّه تعالى العقل فهو أقرب الحقائق الخلقية إلى الحقائق الإلهية .
والعقل الكل : هو القسطاس المستقيم وهو ميزان العدل ، وبالجملة هو العاقلة : أي المدركة النورية التي ظهرت بها صور العلوم المودعة في العقل الأول .
وعقل المعاش : هو النور الموزون بالقانون الفكري ؛ فهو لا يدرك إلا بآلة الفكر . [ المرجع السابق ( 176 ، 177 ) ] .