تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الوجود — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
يختص بها العارفون ، ويتبين له حقيقة الطور الذي وراء العقل ونسبة الفعل من هذه العين كنسبة الشعاع من الشمس ، وقصور العقل عن إدراك مدركات هذه العين يضاهى قصور الوهم عن إدراك مدركات العقل ، فمن صادق من باطنه تصديقا ضروريّا ، لا مجال فيه لشك ولا ريب . إن الكثير المطلق في علم اللّه عز وجلّ كالقليل المطلق من غير تفاوت وفرق ، فليتحقق أن عين للمعرفة قد انفتحت في باطنه ، وستصير ينبوعا على القرب لأمثال هذه الحكم « 1 » . فإياه ثم إياه أن يدع للقذى إليها طريق ، فكثيرا ما يقع لها من الوقائع ما يعمشها ويفديها ، وعلى الجملة يخرجها من كونها مدركة لما يخصها ، وليعتبر في ذلك بقوله تعالى :
كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ
( البقرة : 17 ) . فاعلم أن نسبة الوقائع من عين المعرفة كنسبة الوقائع التي نفع للأرض ، وتبطل استعدادها وقبولها لفيضان نور الشمس من الأرض . إن مرادنا بالوجود المطلق حيث قلنا إنه هو اللّه تعالى ما به الأشياء كلها المحسوسات والمعقولات ، ثابته متحققة لا شك ولا شبهة في ثبوتها وتحققها عند الحس والعقل ، فإن شئت فقل عنه : هو الوجود المطلق ، وإن شئت فقل عنه : هو الحق ، كما قال اللّه تعالى :
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
« 2 » ( الأنعام : 73 ) ، وإن شئت فقل عنه هو الحي القيوم ؛ لأنه
هامش
( 1 ) العلماء الزاهدون ومشايخ الصوفية والمقربون رزقوا سائر العلوم ، وقالوا إنها فرض ، فمن ذلك علم الحال ، وعلم القيام ، وعلم الخواطر ، وعلم اليقين ، وعلم الإخلاص ، وعلم النفس ، ومعرفة أخلاقها ؛ وهو من أعز علوم الصوفية ، وأقوم الناس بطريق المقربين ، والصوفية أقومهم بمعرفة النفس . [ المرجع السابق ( 178 ) ] . ( 2 ) أي بالعدل ، فهو خالقهما ، ومالكهما ، والمدبر لهما ولمن فيهما . وعقبها قال تعالى :وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ؛ يعنى يوم القيامة ، ويوم منصوب إما على العطف على قوله : واتقوه ، وتقديره : واتقوا يوم يقول كن فيكون ، وإما على قوله :خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ؛ أي وخلق يوم يقول كن فيكون ، فذكر بدء الخلق وإعادته ، وهذا مناسب ، وإما على إضمار فعل تقديره : واذكر يوم يقول : كن فيكون . [ تفسير ابن كثير ( 2 / 148 - 149 ) ] .