جهتان معروفتان ، وليس مرادتين هنا بخصوصها في نسبتهما إلى اللّه تعالى وفوقية مطلقة ، وتحتية مطلقة ، وأعنى بالإطلاق نفى خصوصهما بالجهتين المعروفتين « 1 » .
فالفوقية المطلقة هي التي ينشأ من جهتها كل شيء ، ويتكون ويظهر بالتدريج إلى أن يضمحل ويزول ، وهي فوقية النفوس الإنسانية والحيوانية والنباتية والجمادية المنفوخة في الأجسام العنصرية من جهة الأرواح والعقول الفلكية والأمرية المنبعث ذلك من جهة الوجود الأول الكلى الذي هو أول مخلوق ، ولا جهة لهذه النفوس مخصوصة من الجهات الست ، فهي جهة الغيث المطلقة عن خصوص الجهات الست ، وتقابلها التحتية المطلقة التي هي جهة الأجسام الإنسانية والحيوانية أو كانت كلها قلبا كالأجسام النباتية والجمادية ، والقلب هنا هو الشكل الصنوبري « 2 » الكائن في الجهة الشمالية من تجويف الجسم ، وهي التحية المطلقة عن الجهات الست أيضا ؛ لأن هذه النفوس منفوخة في هذه الجسمانيات أينما كانت ، وليس الكائن في الجهة الشمالية من تجويف النفخ سائر فيها من جهة مخصوصة ، بل من جميع الجهات حتى من جهة
هامش
( 1 ) وفي قوله تعالى :ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَقال ابن كثير : وروى عن إبراهيم النخعي والحكم بن عيينة والسدى وابن جريج إلا أنهم قالوا : من بين أيديهم الدنيا ، ومن خلفهم الآخرة ، وقال مجاهد : من بين أيديهم وعن أيمانهم من حيث يبصرون ، ومن خلفهم وعن شمائلهم حيث لا يبصرون ، واختار ابن جرير أن المراد جميع طرق الخير والشر ، فالخير يصدهم عنه والشر يحسنه لهم ، وقال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس في قوله :ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ، ولم يقل من فوقهم ؛ لأن الرحمة تنزل من فوقهم . [ تفسير ابن كثير ( 2 / 209 ) ] .
( 2 ) قال في المعجم الصوفي ( 203 ) ، طبعة دار الرشاد : قالوا للقلب معنيان : أحدهما اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر ، وهذا القلب يكون للبهائم أيضا بل وللميت كذلك ، وثانيهما لطيفة ربانية روحانية لها تعلق بالقلب الجسماني كتعلق الأعراض بالأجسام والأوصاف بالموصوفات ، وهو حقيقة الإنسان ؛ والمعنى المراد كلما ذكر القلب في القرآن أو السنة ، وإلى هذا المعنى أشار اللّه بقوله تعالى :إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ( ق : 37 ) .