تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الوجود — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
مرآة الوجود الحق من حيث أنه ذات لا اعتبار فيها أصلا كما يشير إليه قوله تعالى :
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
( الأنعام : 54 ) « 1 » ، وقوله تعالى :
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي
( المجادلة : 21 ) . وصور المخلوقات المقدرة المترتبة كثيرة فكثرت المخلوقات ، وتقدم بعضها على بعض إلى الأبد ، ومرآة الوجود الحق واحدة « 2 » مظهرة لكل صورة من صور المخلوقات ، وتقدم بعضها على بعض إلى الأبد ، ومرآة الوجود الحق الذاتي هي صورة الوجود الحق الصفاتى الأسمائى لا من حيث كونه عين الذات بل من حيث الاعتبارات المذكورة ، وأما بيان كون كل صورة من جميع صور المخلوقات بمنزلة المرآة الصافية لظهور الوجود الحق سبحانه فيها الصفاتى الأسمائى ، فإن كل صورة من تلك الصور التي هي صور المخلوقات كلها ظهرت في مرآة الوجود الحق سبحانه « 3 » ثبتت وتحققت في تلك المرآة فكانت بثبوتها وتحققها مرآة أيضا لظهور الوجود الصفاتى الأسمائى المتوجه بها على مرآة الوجود الحق الذاتي ليعلم الذات ، فوجود صور المخلوقات هو ظهور الوجود الحق سبحانه الصفاتى الأسمائى وهو
هامش
( 1 ) وفي معناها قال ابن كثير في تفسيره ( 2 / 138 ) :كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ؛ أي أوجبها على نفسه الكريمة تفضلا منه وإحسانا وامتنانا . وروى أحمد بسنده عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لما قضى اللّه على الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش أن رحمتي غلبت غضبى » ، وقد أخرجاه في الصحيحين . وروى ابن مردويه بسنده عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إذا فرغ اللّه من القضاء بين الخلق أخرج كتابا من تحت العرش أن رحمتي سبقت غضبى وأنا أرحم الراحمين ، فيقبض قبضة أو قبضتين فيخرج من النار خلقا لم يعلموا خيرا مكتوبا بين أعينهم عتقاء اللّه » . ( 2 ) إن الحق تظهر له عينه في صورة المرآة ، وهي المحل المنظور فيه من وجهه لم يظهر له من غير وجود هذا المحل ولا تجليه لنفسه فيه ؛ فإن الظهور في المحل رؤية عينيه منضمة إلى علميه ، وفي غير المحل رؤية علمية فقط . [ فص حكمة آدمية شرح القاشاني ( 12 ) ] . ( 3 ) انتهى مذهب ابن عربى إلى القول بأن الكثرة ، وهم والتعدد خداع من خداع الحواس وقصور من العقل البشري ؛ لأن الحق والحقيقة والعين واحدة كلها ، كيف لا وكل هذه الكثيرة الظاهرة ليست إلا مرايا أو مجالي أو صور تتجلى من خلالها الحقيقة الواحدة ألا وهي الذات الإلهية ؛ إذ سوف يكون مصدر الأديان كلها من ثم واحدا . [ التصوف الفلسفي الإسلامي ( 46 ) ، طبعة دار الحديث ] .