الاعتبارات المذكورة صفات له وأسماء لا يبلغها الإحصاء ، فكان سبحانه متوجها من الأزل على ذاته التي هي الوجود الصدق من حيث هي ذاته له لا اعتبار فيها أصلا ؛ لأنه يعلمها والعالم متوجه على المعلوم فسمى ذلك التوجه وجها إلهيا كما قال تعالى :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
« 1 » ( البقرة : 115 ) ، فعمم في جميع أينيات التوجه وقال تعالى :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
( القصص : 88 ) « 2 » .
فأخبر تعالى بهلاك كل صورة من صور المخلوقات وفنائها واضمحلالها ؛ لأنها مقتضى الاعتبارات الصفاتية الأسمائية ما عدا الحضرة الذاتية فإنها الوجود الإلهى إذا لم يكن التوجه معتبرا فيها ، وإن كان معتبرا فهي الاعتبارات الصفاتية والأسمائية .
وذلك أيضا هو أمره المقدر في الأزل جميع الصور « 3 » ، المخلوقات كلها على حسب ما اقتصته الاعتبارات المسماة بالصفات والأسماء مترتبة تلك الصور كلها بالحكمة الإلهية ، فظهرت بسبب ذلك جميع الصور المخلوقات المقدرة المترتبة في
هامش
( 1 ) قال ابن جرير : وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذنا من اللّه أن يصلى المتطوع حيث توجه من شرق أو غرب ، في مسيره ، في سفره ، وفي حال المسابقة وشدة الخوف ، حدثنا أبو كريب ، أخبرنا ابن إدريس ، حدثنا عبد الملك هو ابن أبي سليمان ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عمر أنه كان يصلى حيث توجهت به راحلته ، ويذكر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يفعل ذلك ويتأول هذه الآية :فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ. [ تفسير ابن كثير ( 1 / 158 ) ] .
( 2 ) وقد تقدم شرح الآية من كتب التفاسير .
( 3 ) المشبهة : فرق من كبار الفرق الإسلامية ؛ وهي تضم مجموعة من الفرق الفرعية يجمعها كلها القول بتشبيه اللّه تعالى بالمخلوقات ، وتمثيله بالمحدثات ، ووصفه بالجسمية ، ومن أجل هذا جعلت فرقة واحدة قائلة بالتشبيه ، وإن اختلفوا في طريقه .
وكان أهل الحق يلقبون هذه الفرق بألقاب تكشفهم لمن لا يعرفهم ؛ فأحيانا يلقبونهم بالمشبهة ، وتارة بالحشوية نسبة إلى الحشو ؛ وهو اللغو الذي لا اعتبار له ، وتارة ثالثة يسمونهم بالمجسمة لوصفهم اللّه تعالى بما هو من لوازم الجسم لزوما بينا . [ انظر : التهانوى في كشاف اصطلاحات الفنون مادة حشوية ؛ وانظر : القضاعي في فرقان القرآن ( 15 - 16 ) ] .